هل يقضي العمل على مُتعة الهوايات؟!
"عندما يكون العمل متعة تكون الحياة مبهجة، أما إذا كان واجبا تكون عبودية".!
لطالما حاولت أن أُحب ما أعمل لأستمتع بحياتي قدر الإمكان، تماشيا مع تلك المقولة للروسي مكسيم جوركي، لكن ما يحدث معي هو العكس تقريبا.. فبمجرد أن يصبح ما أحبه هو مجال عملي الذي يتوجب علي فعله، حتى يثقل علي القيام به!..
فمثلا أستمتع كثيرا بالكتابة الإبداعية وملاحقة الأفكار غير المطروقة، لكن عندما يُطلب مني القيام بذلك الأمر في إطار العمل، لا أشعر بنفس القدر من الحماس والمتعة الذي أشعره عند مزاولته كهواية حرة!!
فهل هناك من يشاركني هذه المعاناة؟.. وما السبيل للتخلص منها؟!.. من لديه نصائح للإستمتاع بالعمل أرجو أن يشاركها معنا..
التعليقات
هناك عبارة أحبها كثيراً أماني: "يحمل الإنسان جبالاً بالحب .. ولا يحمل حبّة قمحٍ مُكرهاً."
يستطيع الإنسان إنجاز العديد من المهام الشاقة بحب وشغف، ولكن المشكلة أن تفقد الشغف تجاه ما تحب في العمل!
أستطيع تفهمك أماني، ولكن أظن ومن تجربتي الخاصة بأن شعورك بالاستياء من الكتابة في إطار العمل لا يتعلق بالحماس الخاص بك فقط، أتعلق من تهميش مهنة كاتب المحتوى في العالم العربي بشكل عام، حيث يتم الدفع مقابل المقال الجيد في مدونة أمريكية شهيرة ما يقارب ال 200 دولار، وأظن أن هذا لا يحدث عادة في العالم العربي.
أحاول التخلص من هذا الاستياء بالنظر إلى الكتابة على أنها تمرين يساعد على تحفيز مهارات الدماغ، والحصول على موارد ثقافية بشكل مستمر، فإن كل عملية كتابية تتطلب العديد من عمليات البحث والتعرف على موارد ومصادر معرفية جديدة، قيسي هذا على كل عملية كتابية تقومين بها، وستلاحظين الفرق.
تهميش مهنة كاتب المحتوى في العالم العربي بشكل عام،..
بنقطة التهميش وعدم التقدير للمهن الإبداعية عموما، حدثي ولا حرج سماح؛ حيث تكوّن تصور بمجتمعاتنا أن الكتابة الإبداعية والتأليف الموسيقي مثلا، لا يتطلبان أي مجهود.. فقط قلم و ورقة وتتدافع الأفكار والجمل الموسيقية دون مجهود يذكر من مُبدعها!.. ولذلك عادة ما يبخس البعض حقوق أصحاب المهن الإبداعية..
أحاول التخلص من هذا الاستياء بالنظر إلى الكتابة على أنها تمرين يساعد على تحفيز مهارات الدماغ، والحصول على موارد ثقافية بشكل مستمر،
أنا مقتنعة بالفعل بأهمية وجدوى الكتابة الإبداعية، بل وشغوفة بممارستها كهواية ببعض الأحيان، لكن عندما تتدخل ضوابط ومتطلبات العمل الروتيني بتلك الهواية أفقد جزء كبيرا من ذلك الشغف!.. ولذلك أظن أن الأمر متعلق أكثر بالطابع الروتيني للأعمال، وليس بمجال العمل نفسه..
أنا متأكد أنك لست وحدك في هذه المعاناة. العديد من الأشخاص يجدون صعوبة في الحفاظ على الحماس والمتعة وأنا واحد منهم وذكرت هذا من قبل لدكتور نفساني وذكر لي أنه عندما تتحول الهواية المفضلة إلى واجب روتيني. هذا التحدي قد ينبع من عدة عوامل، منها:
1. الضغوط الزمنية والمسؤوليات**: عندما يصبح مجال العمل مصدراً للمسؤوليات والضغوط الزمنية، قد يؤثر ذلك على قدرتك على الاستمتاع بما تقوم به.
2. التوقعات والاستجابة للاحتياجات الأخرى**: قد تكون هناك توقعات معينة من قبل الزملاء أو أرباب العمل بشأن الأداء، مما يؤدي إلى تغيير نظرتك إلى العمل.
3. الروتين والملل: قد يؤدي القيام بنفس الأنشطة بشكل متكرر دون تحدي أو تغيير إلى الشعور بالملل وفقدان الحماس.
4. تفاوت التوقعات: قد يكون لديك توقعات معينة بشأن كيفية استمتاعك بالعمل، وإذا لم تلبِ هذه التوقعات فقد تشعر بالخيبة.
لكن هنا بعض النصائح التي قد تساعدك على التغلب على هذه المعاناة:
1. تغيير النظرة إلى العمل: حاول تغيير وجهة نظرك إلى العمل والبحث عن جوانب إيجابية تجذبك إليه.
2. ضبط توازن جيد: حاول تحقيق توازن بين ما تستمتع به في وقت فراغك وبين ما تفعله في العمل.
3. تحديات جديدة: حاول إدراج تحديات جديدة ومشوقة في العمل لكي لا يصبح روتينيًا.
4. التواصل مع الزملاء: شارك أفكارك مع الزملاء وابحث عن تعاون يساعد على إثراء وتحسين تجربتك.
5. تنظيم الوقت: حاول تنظيم وقتك بشكل مناسب لتتمكن من مزاولة هواياتك واهتماماتك الشخصية أيضًا.
6. التفكير بإبداعية : حاول تطبيق طرق إبداعية في العمل لتحفيز حماسك وتجديد الشغف.
7. التحدث مع المشرفين: إذا كانت المعاناة مستمرة، فقد يكون من الجيد التحدث مع مديرك أو المشرفين لمناقشة تجربتك وتقديم اقتراحات لتحسينها.
الأهم من ذلك كله، السعي لإيجاد التوازن بين تحقيق أهدافك المهنية والاستمتاع بما تقوم به. قد يستغرق الأمر بعض الوقت للعثور على الطريقة التي تناسبك، لكن الجهد سيكون جديرًا بالنهاية.
حاول تحقيق توازن بين ما تستمتع به في وقت فراغك وبين ما تفعله في العمل
أشكرك لمشاركتنا تجربتك الثرية عبد الله.. وبخصوص ذلك التوازن، فمنذ أصبحت الكتابة مجال عملي، وصرت أميل لممارسة هوايات أخرى غير الكتابة بأوقات فراغي؛ حتى أشعر بشيء من التغيير!
عندما يصبح مجال العمل مصدراً للمسؤوليات والضغوط الزمنية، قد يؤثر ذلك على قدرتك على الاستمتاع بما تقوم به.
ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسية لشعوري بذلك الركود؛ فالضغوط الزمنية هي العدو الأول لأي عمل إبداعي برأيي.. أي نعم يجب الإلتزام بمواعيد تسليم محددة، لكن عند وضع تلك المواعيد لابد من مراعاة خصوصية الأعمال الإبداعية، عما سواها من الأعمال التطبيقية.
هذا الأمر الذي تفضّلتي بمشاركته هو بالفعل واقع ألمسه بشكل يومي وأنا أعزّي سبب ذلك إلى أنّ ما نقوم به بمحض إرادتنا نبدع فيه وأمّا ما نقوم به مجبرين في عملنا يكون أقل إبداعًا. وهذا الأمر يحصل خاصّةً معنا نحن كمبدعين حيث أنّنا نضع حيّزًا كبيرًا للحرّية ونبدع عند امتلاكها. فعلى سبيل المثال منذ عدّة أيّأم كنت بمزاج هادئ للكتابة الحرّة التي لا هدف منها إلّا إفراغ الشحنات الإيجابية التي أمتلكها وقد أبدعتُ بالفعل وكتبتُ وكتبت حتًى أُصبت بالتخمة الأدبيّة التي يصاب بها الكتاب عندما يكتبون كثيرًا. وبنفس الوقت كان مطلوبًا منّي إنجاز عمل أدبي لأحد أصحاب المشاريع وهو ما تلكّأت عن القيام به نتيجة شعوري كأنّنني مجبرة على القيام به.
حيث أنّنا نضع حيّزًا كبيرًا للحرّية ونبدع عند امتلاكها..
نعم إنه الإجبار والإلزام عدو الإبداع الأول فاطمة، وكثيرا ما أمر بتجارب مماثلة لتجربتك المذكورة..
حتى أن الأمر غير مرتبط بالعمل فقط، فأذكر بأيام الدراسة أنني كنت أحب القراءة كثيرا بكل أنواعها، إلى أن يصل الأمر للكتب الدراسية فأجدني خاملة لا أطيق قراءة فصل منها دون إنقطاعات متكررة!
فهل من حيلة عقلية كانت أو عملية، تعيننا على إنجاز جميع المهام بنفس الشغف والحماس؟!
منذ أيام ليست ببعيدة كنت أحمل نفس وجهة نظركِ عن المعاناة أثناء العمل وهو ما جعلني أفكر بطريقة تمكنني من جعل عملي شيئًا أحبه بإستمرار وأستمتع به على الدوام، فوجدت حلاً غالباً ما سيظن القارئ للوهلة الأولى أنه على علم به وهذا صحيح أنه سيكون على علم به، ولكنه لم يُخذ على مستوى التنفيذ وهذا مكمن الفرق!
التوجه الذي أريد أن أشير إليه هنا هو أن الحب عبارة عن فعل وليس إنفعال منبثق أو شعور لا إرادة لنا في السيطرة عليه، لهذا يجب علينا أولاً أن نعتاد توجيه حبنا وتقبُّلنا محاولين السيطرة على هذه المشاعر وهذا يمكن أن يحدث حتى ولو كان إدعاءاً منا، وللعلم فهذه العملية متعبة ومملة ومرهقة في البداية رغم أنها تهدف الى عكس ذلك، وممارسة الإمتنان بشكل يومي ستسهل علينا هذه المهمة.
ثانيا التنفيذ: إعتياد ممارسة فعل الحب والتقبل بشكل موجه ولو تكلف تجاه العمل ستجعلك تتخطين الألم الذي كنتي تشعرين به في البداية كما أنه سيمكنكِ من الإستمتاع بتفاصيل لم تكوني لتستمتعي بها أثناء وقت العمل لولا قمتي بهذه المبادرة.
ثالثاً: حاولي ربط العمل بالهواية بباقي تفاصيل يومك حيث لا ينبغي عليكِ فصل العمل عن باقي جوانب حياتك، وهناك فرصة كبيرة حيث هوايتك هي الكتابة أصلاً.
أظن أنك على علم بهذا ولكن في أي درجة توقفتي؟
أيضاً هناك عامل أخر أعتقد أنه متسبب في ظهور هذه الحالة لديكِ كما كان لدي، وهو الضغط المؤثر نتيجة إعتقادك الدائم بعجزك عن أداء مهمتك بشكل سلس كما تؤديها أثناء الهواية. تختلف الأسباب المؤدية لظهور هذا العامل لدى كلينا، ولكن بالنسبة لي تحديداً فأنا وعلى الرغم من قدراتي الجيدة خارج اطار العمل، إلا أنني دائما ما كنت أتوقع حصول الأسوء من جميع النواحي أثناء العمل لظني أنني أفتقد شيئاً لا أعرفه أو أن أدائي لن يكون على قدر التوقعات بشكل ما لأي ظرف داخلي أو خارجي، بمعنى أنني كنت دائم التركيز على نقاط ضعفي أثناء العمل لأنني كنت اتكلف في تقديسه وأستصعبه!
ولكن في أي درجة توقفتي؟
شكرا لك أخي الحسن لمشاركتنا هذه المعلومات الرائعة.. وصراحة حاولت مرارا أن أتبع أسلوبك المذكور، لكني غالبا ما أتوقف بمرحلة إدعاء حب العمل والإستمتاع به؛ فتلك المشاعر المُصطنعة قد أُقنع أو أخدع بها الآخرين، لكني أجد صعوبة بالغة بإقناع نفسي بتلك المشاعر المُفتعلة!
بمعنى أنني كنت دائم التركيز على نقاط ضعفي أثناء العمل لأنني كنت اتكلف في تقديسه وأستصعبه!
أعاني أحيانا نفس الأمر، فدائما ما أتطلع نحو الكمال وهو ما يستحيل إدراكه بعالم العمل خاصة، فأجدني أستمر في التعديل والتدقيق والتنقيح فيما أُنتجه من نصوص إلى أن أصاب بالملل والإرهاق!
وربما كان للعملاء دور في هذه المشكلة؛ فأحيانا تجد عميلا يحدد ما يريده بشكل واضح، وفق معايير محددة مسبقا وهو ما يسهل كثيرا من مهمتي..
وأحيانا تجد عميلا متردد غير مُطلع على المجال، وليست لديه رؤية واضحة حول ما يريده من محتوى، وبرأيي هذه النوعية من العملاء تُعزز شعور القلق بشكل كبير..
ومن العوامل التي تؤثر علي أيضا، حصر العمل بوقت محدد، وهو ما يفقدنا إحتمالية الإستمتاع بالعمل، وإن كان ينقذني أحيانا من الإسترسال برحلتي الخيالية نحو الكمال!
توقفك عند مرحلة الإدعاء يعكس فعلا مدى رغبتك في تحقيق الكمال والمثالية، ويؤكد كذلك على صدقيتك.
ولكن كلاهما قد يكونا من مقيدات ابداعك وتقبُّلك للتغيير في اعتقادي، اؤمن بمقولة؛ "ما الجواهر والكنوز إلا أشياء أرادها تقديرنا جواهر وكنوزاً، ما القيمة إلا إعتبار".
والحقيقة والصدق كذلك، هي أشياء تثير المشاعر وتخلق فينا إعتقاد من تشكيلنا الخاص عن الجمال والخير.
بإمكانك التلاعب حقا بهذه المتغيرات في حالة قررتي السعي للتغيير نحو أي شئ.
أيضا الكمال والمثالية لا وصول لهما إلا من خلال معاييرنا المختلفة عنهما، هما مفهومان مقيدان أكثر منهما مسببان للإبداع لأن معاييرنا غالبا ما ستكون كثيرة جدا من اجل الوصول لهما.
برأيي المشكلة الحقيقية أن الجميع ينتظر العمل الذي يحقق له شغفه في حين أن العمل ضرورة يجب إدراكها لتحقيق مدد مالي مهم نعتمد عليه بكل نواحي حياتنا، التعامل مع العمل والسعي لتحقيق كفاءة به يجب أن يكون التزام وانضباط وليس لتحقيق شغف أو اعتماد على توافر الشغف وإلا سيكون أدائنا متفاوت ومتراوح، لذا يجب أن نحقق الالتزام والانضباط ونسعى بعد ذلك لخلق الشغف وفقا لآليات تحفز استمرارنا للعمل.
بدليل لو توافر عمل يحقق لك المتعة كاملة، هل تقبل براتب أقل مقابل هذه المتعة؟
-"عندما يكون العمل متعة تكون الحياة مبهجة، أما إذا كان واجبا تكون عبودية".!
موضوع مهم جدا بيد أن الشيء الذي يجعلنا نؤدي الهواية في امتاع وابتهاج هو القصد الذي نبتغيه من ورائها وهو الراحة والمتعة في حالة الهواية، وهذا يصدق على كل ما نأتيه من فنون وهويات التي يكون التعب فيها ابتهاجا .. إننا نرى لاعبي كرة القدم مثلا يؤدون مهامهم بالمستطيل الأخضر بتعب وجهد وألم أحيانا لكن في ابتهاج واستمتاع بَالِغَيْنِ ... أما العمل فالقصد من ورائه المنفعة والواجب.. وهذا لعمري كافٍ ليسيطر علينا فيه النَّصَبُ والتعب.. الحل في في هذه المسألة أن ننشأ على تعلم القيام الأعمال بحب وشغف وقصدِ الاستمتاع والابتهاج ثم المنفعة والوجب بعد ذلك..