وقفتُ على شرفتي المطلة على الزقاق الضيّق القديم، حيث تشابكت أسطح المنازل وتداخلت الجدران المتراصة حتى أصبحت كتلة واحدة متماسكة. جلستُ على الكرسي الخشبي المتهالك، ثم أشحتُ بنظري نحو السماء، وأسدلتُ جفنيّ كستارةٍ على مسرح؛ لأحلّق بخيالي إلى أبعد الحدود. تخيلتُ أن إطلالة شرفتي تطلّ على حديقة غنّاء، بآراضٍ وارفة الأشجار، وأزهارٍ متفتحة، وعصافير تُغرّد حول نافورة ماءٍ يلذّ لها النظر، ويدخل السرور إلى النفس. لكنني في هذه اللحظة، استرجعتُ ذكرياتٍ لا أحبّ ذكرها.. لا أعلم لِـمَ تقتحم عليّ خلوتي
Rooh_Alkalimat
5
180 مشاهدات المحتوى
عضو منذ
أَشْغَلَتْنِي لِسِنِينَ فِكْرَةُ أَنِّي وَحِيد وَجَعَلَتْ مِنِّي شَخْصاً مُسْتَمِرَّ الْبَحْثِ عَنْ صَدَيق، رُفْيق، أَوْ زَمَيل... أَيِّ مَعْنًى لِوُجُودِ شَخْصٍ قَرِيبٍ نَتَشَارَكُ مَعَهُ أَوْقَاتَنَا بِحُلْوِهَا وَمُرِّهَا. وَمَعَ وَضْعِ مَعَايِيرَ لِصِفَاتِ هَذَا الشَّخْصِ، أَصْبَحَ وُجُودُهُ مُسْتَحِيلاً؛ إِذْ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَجْتَمِعَ كُلُّ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ. وَهُنَا اتَّسَعَتْ فَجْوَةُ الْوَحْدَةِ، وَهَدَأَ الْبَحْثُ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ نِهَائِيّاً. شَخْصٌ نَبِيلٌ، صَادِقٌ، وَفِيٌّ، مُخْلِصٌ، وَدُودٌ، وَمُسْتَمِعٌ جَيِّدٌ... إلخ، أَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ؟ صَدِيقٌ خَيَالِيٌّ؟ وَلاَ حَتَّى فِي الْخَيَالِ! إِذَنْ، يَجِبُ إِيقَافُ عَمَلِيَّاتِ الْبَحْثِ، وَالرِّضَا
خمسون خريفاً مرّت وتساقطت معها سنين العمر؛ نثرتها رياح الدهر المنقضي، مرّت بمرّها قبل حلوها، وحفرت في الذاكرة لوحاتٍ نُقِشَت بنبض الألم والأمل، ولوّنتها ريشة الصبر بعد مزجها بماء العين. خمسون شتاءً ذابت أيامها كالثلج تحت خيوط شمسٍ أعلنت بداية فصلٍ آخر. خمسون صيفاً جفّ من لهيب حره نبع العطاء. وخمسون ربيعاً.. لا أذكر منها إلا أنها مرّت كلمح البصر..
الساعةُ التاسعةُ مساءً أتقلبُ في فراشي من شدةِ المرض، أشعرُ بمللٍ كئيب؛ فهذا هو اليومُ الثالثُ على التوالي وأنا طريحةُ الفراش، لا حولَ لي ولا قوة. فجأةً، كسرَ صمتَ الغرفةِ رنينُ الهاتف... آه، إنه أخي الأصغر! أصبح في الأربعين من عمره، ولكنه يظلُ ذاك الطفلَ الأصغرَ في عيني مهما كَبُر. رفعتُ السماعة: "نعم أخي، ما الخطب؟ عساه خيرًا؟" "نعم، كلُّ الخيرِ إن شاء الله! جهّزي نفسكِ ،أنت وابنتك أنا في طريقي إليك الآن." "وإلى أين في هذا الوقت؟" "ذاهبون إلى
الشمس باردة لا دفء لها، والقمر لا يعد يبتسم مساء والنجوم باهتة.. الأزهار.. أين ذهب عبيرها؟ وألوانها لم تعد تلفتني! الأشجار أوراقها بكماء، لم تعد تغني مع نسمات الريح.. عصافير الصباح صامتة لا تثرثر على الاغصان والخطوات ضيعت الاتجاه على الطرقات.. حتى قطرات المطر لا تغسل أسطح بيوت القرميد وأعشاب الحديقة، وكل ما حولي كالماء.. لا طعم، لا لون، لا رائحة!
صوت موسيقى هادئة ودافئة تتصاعد وتتوارى في الخلفية) المُستضيف: "أهلاً بكم أصدقاءنا المستمعين في حلقة جديدة وخاصة جداً من البودكاست. ضيفتنا اليوم ليست نجمة على الشاشات، ولا تتصدر صورها أغطية المجلات؛ ضيفتنا امرأة من عامة البشر، لكنها تحمل في قلبها قدرة يراها البعض نادرة، ويراها آخرون لغزاً مهيباً. في أشد أوقات الحرب قسوة ودماراً، حين كانت القلوب تتفطر والعقول تطيش، كانت هي المرأة التي يُطلب حضورها بالاسم لتدخل بيوت الشابات الأرامل والمنكوبين والثكالى، لتمسك بأيديهن وتمنحهن شيئاً من السكينة والمواساة.
في كل مرةٍ أراها أوقنُ أن المرأةَ لا تشيخ، وأن العمرَ ليس مجرد أرقام. لم يكبر قلبُها رغم الشيبِ الذي غزا شعرها، وتلوّن بريقه الفضيّ بألوان الخريف. ليس استسلاماً... بل لقناعتها أن وراء كل ورقةٍ صفراء برعماً يرتجي الربيع، وأن طيور الروحِ تعود دائماً إلى دفئها. ما زالت تبتسمُ للحياة كطفلة، تعشقُ رائحة الصباح، وتتغزلُ بزرقةِ الأفقِ حين يلتقي بالبحر، حيثُ يمتدُّ خطّ الشمسِ الذهبيّ نحو الشاطئ. لم ترسم السنونُ خطوطها على روحها، لم تتصابَ في أناقتها، ولم يهبط فكرُها
سلكتُ الطريق المختصر إلى المقبرة. شققتُ طريقي إلى الصف الأول، حيث ينام منذ عشرين سنة تحت كومة ترابٍ علاها غبار السنين وجفّت عليها الحشائش. داعبت وشاحي نسمة معطرةً برائحة الياسمين. استأذنتُ غصناً قريباً وأخذتُ زهرتين ملتصقتين.. شمتتُ عبيرهما، طبعتُ قبلتي، ووضعتهما فوق القبر. سلمتُ عليه وبدأتُ أسرد قصص السنين: الأولاد كبروا.. تزوجوا.. ومضى كلٌّ منهم إلى بيته. والآن، أصبحتُ متفرغةً للزيارة، لم يعد يمنعني ضيق الوقت كما مضى. ليتك تستطيع سماعي.. بل ليتني أستطيع سماعك، لتخبرني: هل أنتَ راضٍ عمّا
كنتُ غارقةً في غمرة الاستعدادات لحفل زفاف ابني الصغير... آه، ما زلتُ أراه صغيراً مهما كَبُر! ولكنها الحقيقة: اليوم زفافه. نصفُ ساعةٍ فقط تفصلنا عن انطلاق الحفل. البيت يضج بالحركة، والجميع يستعد للذهاب؛ أنا، وبناتي، والأهل والأصحاب. سيكون فرحاً مميزاً بلا شك. أنظر في المرآة لأضع اللمسات الأخيرة... باقة الورد، زجاجة العطر... أين وضعتها؟ آه، ها هي ذا. الآن كل شيء جاهز. – «هيا يا بنات، لننطلق!» الشارع مزدحم بالسيارات، والوقت يمرّ بطيئاً كأنه يعاند حماسي. أضواء السيارات الملونة تخترق
كان موعداً للقاءٍ ينتظرُ حدهُ الأخير بعد قطيعةٍ دامت أشهراً، لكنها في نظري خَلَتْ دهراً كاملًا. كنتُ أترقبُ تلك اللحظة بمزيجٍ طفوليٍّ عجيب من الشغفِ والخوف والارتباك. أنتظرُ بلهفةٍ متشوقة رؤية ذلك الشخص الذي كانت طينتهُ وحدها تسعدني، وحديثه يضفي على المكان بهجة ومرحاً يُنسيانني تعب الدنيا وقسوتها. وفي الوقت نفسه، كان الخوف يهمس في صدري من استحضار ما جرى مؤخراً بين العائلتين؛ خلافاتُ الميراث التي خلفت قطيعةً لم يكن لنا فيها ذنب. كنتُ مشدودةً بسؤالٍ يربكُ الهدوء: هل سيكون