أنا يوما ما ...

كم أنا متشوقة لرؤيتها!

مضى وقت طويل منذ آخر لقاء.. كان منذ سنوات.

كانت دائماً مشغولة، ومضت على هذا الحال عشرون سنة.

ترى، هل أصبح لديها وقت لاستقبالي ومحادثتي؟

أم سأكون مضطرة كما في السابق أن ألحق بها ونحن نتحدث من غرفة إلى غرفة؛ ترتب هنا، وتمسح هنا، وتنظف هنا؟

هل سنجلس ونحتسي الشاي بهدوء، دون أن يقاطع حديثنا أحد أولادها الخمسة؛ هذا يسأل عن أشيائه الضائعة، وهذا يسأل متى ستحضر له الطعام، والآخر يريد أن تساعده في حل الواجب، والصغيرة تريد أن تلعب؟

أو ربما يقطع هذا كله اتصال زوجها ليسأل ماذا أعدت على الغداء..

آه، نسيت أن زوجها فارق الحياة منذ سنين.

​آه، أنا متلهفة جداً لرؤيتها!

ترى، هل ما زالت ملامحها الطفولية وبراءة نظرتها كما هي؟

أم أن السنين رسمت خطوطها على وجهها المشرق؟

ربما كَبُرت من تعب تربية الأولاد بعد رحيل الأب..

​كفى ثرثرة، ها قد وصلت!

أقف أمام الباب لأقابلها.. افتح يا سمسم:

​مرحباً.

​أهلاً عزيزتي، كيف حالك؟

​أنا بخير.

​تفضلي.

​شكراً.

​يدور في ذهني كلام وأنا أدخل الممر: (مدهش.. كل شيء مرتب ونظيف وفي مكانه، لا فوضى ولا ثياب مبعثرة، ولا أقلام ولا دفاتر ولا كتب على الأريكة.. ورائحة عطر الياسمين تعبق في المكان، وأكثر شيء عجيب هو الهدوء! أين ضجيج الأولاد، وصوت التلفاز، ورنين الهاتف؟ كل شيء منظم!)

​أخبريني، ما أخباركِ يا ملاك؟ أم أناديكِ أم فارس؟ ههه..

​لا يا عزيزتي، ناديني كما شئتِ، فأنتِ أكثر واحدة تعرفني في هذا العالم.

​مضى وقت طويل ليتم هذا اللقاء!

​تفضلي إلى ركني الخاص..

​آه، رائع! الشرفة المطلة على البستان فرشت بالعشب الصناعي، ووضع فيها كرسي خشبي منجد، وطاولة موضوع فوقها غطاء مطرز ومزهرية ورد. يقابلها صف من الرفوف على الجدار المقابل، زينته أصناف من الورد المتفتح ذي الرائحة العطرة. وعند الباب انسدلت الستائر الحريرية تتراقص مع النسمات العليلة، وفي ركن الشرفة هناك مكبر صوت صغير يرسل ترانيم هادئة.

​والفقرة الأجمل الآن: رائحة القهوة تصل أنفي قبل أن تراها عيني. اكتملت اللوحة بحضورها مع رفيقة العمر، تجلس على كرسي مقابل وتنظر إليّ بابتسامتها اللطيفة وأنا أتفحص ملامحها.. وكأنها البارحة، ما زالت تحتفظ بقدر كبير من الجاذبية مع الرزانة والهدوء.

​ما زلتِ تحبين هذا النوع من الثياب الفضفاضة الطويلة الرقيقة؟

​آه نعم، أشعر بالحرية عندما أرتديها.

​أين الأولاد؟

​لقد كبر الأولاد وتزوجوا، وذهب كل واحد إلى بيته.

​وأنتِ؟

​كما ترين، أعيش الهدوء.. في هذا الركن أسترجع بعض الذكريات، لا شيء يلهيني الآن، أعيش لنفسي.

​ثم ماذا؟

​لا شيء.. لقد أتعبتني ضوضاء السنين التي مرت، وأريد أن أغرب عن هذا العالم كما الشمس عند المغيب. أغطُّ هنا مع فنجاني وصوت الموسيقى الهادئ، أتنشق الياسمين وأحتسي قهوتي.

​كم كنتُ متلهفة لهذا اللقاء! هل أنتِ بخير؟

​نعم..

​ثم تصمت، وكأن هناك دمعة تلمع في عينها تريد الخروج للعالم، لكن لا يُسمح لها، فتظل حبيسة الأهداب.

​ألا تريدين إعلامي بآخر أخباركِ؟

​لا جديد بعد الذي قلتُ.

​في السابق كنتِ تقولين: متى يكبر الأولاد وأحظى ببعض الهدوء؟ وسأكون أسعد إنسانة عندما أنزوي في الشرفة لأسمع ألحاني الخاصة مع قهوتي.. مالي لا أراكِ سعيدة؟

​ربما لو جلستُ هذه الجلسة في الماضي لكانت أجمل.. لكن لا بأس، الحمد لله. سأحضر بعض البسكويت.

​ذهبت من أمامي.. مرت وبقي شذى عطرها يفوح في الركن الهادئ، واختفى طرف ثوبها المتطاير مع نسمات الريح العليلة بين الستائر الوردية.

​كأني ألتقيها أول مرة، لكنها ليست هي تلك التي لا تعرف الصمت لكثرة الأخبار التي ترويها لي عن يومها الحافل بأعمال لا تنتهي..

​ولكن.. رغم صمتها، أحبها.

​ذهبتْ.. وأتوق للقائها.

إنها.. أنا يومًا ما.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

آه يا زمن...

لم يعد عندنا الوقت الكافي لمجالسة ذكرياتنا فضجيج الحياة جعلنا مشغولين على الدوام....

بيوت كثيرة كانت ممتلئة باصوات الاطفال وصياحهم ثم بين عشية وضحاها اختفى كل شي....

لم يبقى إلا الهدوء والصمت وبقايا دمى والعاب هنا او هناك لم يعد أحد يسأل عنها أو يهتم بها......

أثافي سفعاً في معرس مرجلِ

ونويا كجذم الحوض لم يتثلمِ

هنا كنا نلعب وهنا كنا ننام وهنا كنا نأكل وهناك كانت الاسرة تجتمع ....

واليوم تفرقت الاسرة .....

الاولاد تخرجوا والبنات تزوجنّ .....

وآه يا زمن

حركتِ مشاعري ونبشتِ ذكرياتي باسلوبكِ الجميل وسردكِ الرائع