استاذ احمد العزيز، كلامك مهم ويلامس جانب لا يمكن تجاهله. صحيح اننا كثيرا ما نلوم الزمن او المتآمرين او حتى التافهين، لكن جزء كبير من المسؤولية يقع على المثقفين انفسهم. التفاهة لم تفرض نفسها من فراغ، بل وجدت مساحة فارغة حين انسحب اصحاب العمق من المشهد، او حين اكتفوا بالتحسر والانتقاد من بعيد. انت محق في الاشارة الى ان بعض المثقفين تحدثوا بلغة متعالية او مغلقة لا تصل الى الناس، فابتعدوا عن الحياة اليومية وتركوا الساحة لمن يجيدون صناعة الضجيج.
-1
ما كتبته يعبّر بصدق عن تعقيد العلاقات الإنسانية، وكيف أنها تشبه بالفعل علماً هندسياً مليئاً بالخطوط والزوايا والتقاطعات. الجميل أنك لم تتوقف عند تجربة الانفصال مع تالا كجرح، بل حولتها إلى درس نضج وبحث عن خط يشبهك، وهذا بحد ذاته قوة داخلية كبيرة. أذكر أنني مررت بتجربة مشابهة؛ كنت في علاقة ظننت أنها ستستمر، لكن مع الوقت اكتشفت أن مسارنا مختلف تمامًا. في البداية شعرت بالخذلان، لكن بعد فترة أدركت أن هذا التقاطع المؤقت منحني وعيًا أكبر بما أحتاجه فعلًا،
أوافقك أن تبسيط المفاهيم وتحويلها إلى محتوى سريع وجذاب ليس بالضرورة انحدارًا، بل هو بالفعل لغة العصر التي تضمن وصول الأفكار إلى شرائح واسعة لم تكن تقترب من الكتب أو النقاشات الفلسفية سابقًا. لكن المشكلة تكمن في الموازنة: كيف نُبسّط دون أن نفرغ المعنى من جوهره؟ المثال الذي ذكرته عن الكاتب الذي قرر تحويل أفكاره إلى مقاطع قصيرة يوضح هذه الإشكالية جيدًا. صحيح أنه تعرض لانتقادات من زملائه الذين اتهموه ببيع مبادئه، لكن النتيجة كانت وصول رسالته إلى ملايين الشباب
أصبت تمامًا في تشخيص المشكلة، فالتفاهة لا تزدهر لأنها أقوى بطبيعتها، بل لأنها تجد فراغًا في الساحة حين ينسحب أصحاب العمق أو يُقصَون، وحين يعتاد الجمهور على الاستسهال بدل التفكير. الواقع مليء بالأمثلة الحية: على منصات التواصل، مقطع ساخر أو تحدٍ فارغ قد يحصد ملايين المشاهدات في ساعات، بينما محاضرة لمفكر يناقش قضايا إنسانية أو فلسفية بالكاد يتجاوز عدد متابعيها الآلاف. في الإعلام المرئي، برامج الترفيه الخفيف تُعرض في أوقات الذروة، بينما البرامج الثقافية تُدفع إلى ساعات متأخرة لا يشاهدها
أشاركك القلق، فالمشكلة ليست في قوس قزح ذاته، بل في اختطاف رموزه وتحويلها من جمال طبيعي إلى شعار سياسي أو اجتماعي يُفرض على الجميع. نحن كأطفال كنا نراه في السماء بعد المطر فنشعر بالبهجة ونقول "سبحان الله"، وكان رمزًا للتنوع الطبيعي وللأمل بعد الغيم. اليوم، حين يُربط في أذهان الأجيال الجديدة بمعانٍ أخرى، نخشى أن يُفقد هذا البعد الفطري الجميل. الأمثلة الحية كثيرة: اللغة نفسها، حين تُشوّه كلمات كانت تحمل معاني سامية، لتُستخدم في سياقات مبتذلة، فيفقد الجيل الجديد معناها
أحترم وجهة نظرك، وأتفق أن زماننا يحمل الكثير من النعم التي لم تكن متاحة في الأزمنة السابقة: من انتشار التعليم، إلى سهولة الوصول للمعلومة، إلى اتساع دائرة التعاطف الإنساني العابرة للحدود والدين. نعم، نحن نعيش في عالم أكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على فضح الظلم، وهذا تطور لا يُنكر. لكن انتقادي لا ينطلق من حنين مثالي للماضي، بل من قلق حقيقي تجاه ما نفعله بهذه النعم. فوسائل التواصل التي أتاحت لنا رؤية المظلوم، أصبحت أيضًا وسيلة لترويج التفاهة، وتضخيم السطحي، وإقصاء
أرى أن إدخال المشاهد (الجريئة) بهذا الشكل هو وسيلة رخيصة سواء في الأدب أو في معظم الأعمال السينمائية اليوم، لأنها لا تضيف قيمة حقيقية للنص أو للفكرة، بل تستهدف فئات محددة من الجمهور بحثاً عن الإثارة السريعة. صحيح أن هذا الأسلوب قد يرفع المبيعات أو يزيد نسب المشاهدة، لكنه في المقابل يترك أثراً سلبياً على قيمة العمل الأدبي أو الفني، ويجعل النقاش حوله ينحصر في الجوانب السطحية بدل أن يلتفت القارئ أو المشاهد إلى العمق والمعنى الذي يستحق أن يُناقش.
صحيح، التعامل مع العناد يحتاج مزيجاً من الحزم والمرونة، فالمواجهة المباشرة تزيد التوتر والمسايسة المطلقة قد تضعف الموقف. ربما الحل يكمن في إيجاد مساحة وسط، حيث نوضح حدودنا بثبات لكن دون استفزاز، ونفتح باب الحوار ليشعر الطرف الآخر أن رأيه مسموع حتى لو لم يُنفذ. بهذه الطريقة لا نخسر الموقف ولا نخسر العلاقة.
تجربتك صادقة ومؤثرة، فالاختطاف العاطفي لحظة قصيرة لكنها قادرة على قلب العمر كله. الاعتراف بما حدث والوعي الذي خرجت به هو في حد ذاته خطوة نادرة وشجاعة، لأن كثيرين يكررون الأخطاء دون أن يدركوا سببها. ربما لا يعيد هذا الوعي ما فقد، لكنه يمنحك فرصة لتبني علاقات جديدة أكثر صلابة، مبنية على فهم أعمق للنفس ولحدودها. ما شاركته يفتح بابا مهما للنقاش: هل يمكن أن نتعلم ضبط مشاعرنا قبل أن نخسر، أم أن الخسارة أحيانا هي المعلم الوحيد؟
أفهم ما تقوله عن الحدود كضرورة، لكن تجربتي الشخصية تجعلني أراها بشكل مختلف. فأنا أسكن في مدينة حدودية، وفي صباح أحد الأيام استيقظنا لنجد أن الإخوة والأهل والأقارب وحتى الجار المقابل أصبحوا فجأة في دولة أخرى، تفصل بيننا حدود وأسلاك، ونحتاج إلى تأشيرة وموافقة مسبقة كي نزور بعضنا البعض. لم تعد المسافة بين البيوت هي ما يحدد القرب، بل الأوراق الرسمية والختم على الجواز. هنا يصبح السؤال مؤلما: هل الحدود تحمينا فعلا، أم أنها سرقت منا أبسط معاني الأخوة والإنسانية؟
انا في الستين من عمري، وما زلت اتأمل كيف تعاملت مع الفشل عبر محطات حياتي. في بداياتي كنت اراه نهاية الطريق، وكنت انهار بسرعة، لكن مع مرور السنوات اكتشفت انه كان المعلم الاكثر صدقا. كل سقوط ترك في داخلي اثرا جعلني اكثر صلابة واكثر وعيا بنفسي. اليوم لا اخشى الفشل بقدر ما اخشى ان اتوقف عن المحاولة. ربما السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل نحن فعلا بحاجة الى الفشل كي نتعلم، ام يمكن ان نصنع وعيا مختلفا يجعلنا نتقدم دون
أوافقك أن دور الأهل والمجتمع أساسي في غرس الفضول وتنمية المهارات، لكن المدرسة حين تكتفي بالتلقين وتغلق باب السؤال فإنها لا تترك مساحة حقيقية لتلك البذور أن تنمو. التعليم المنهجي ليس مطالبا بأن يعلم كل شيء، لكنه مطالب على الأقل بألا يقتل ما يولده الطفل بالفطرة، وأن يفتح المجال للتفاعل بدلا من أن يحصره في التكرار
ما كتبته يلامس جرحا عميقا يعيشه كثيرون، فكم من موهبة وئدت في بدايتها بسبب نظرة ضيقة للتفوق. كلمات معلمتك كانت بذرة ثقة، لكن البيئة حولك حاولت أن تطمسها. ومع ذلك، وجودك اليوم في مؤسسة ثقافية دليل أنك لم تفقد الطريق تماما، وأن الكتابة ما زالت تنتظرك لتمنحك اكتمال الحلم. الادب والفكر ليسا ترفا، بل هما ما يصنع الوعي ويغير المجتمعات، وكل نص تكتبه هو مقاومة صامتة ضد تلك النظرة التي حصرت النجاح في كليات القمة. ربما لم يحن الوقت الذي
ربما نصبح انعكاسا باهتا لما كنا نحلم أن نكونه، لأن الاعمال التي لا تجد نورا ولا جمهورا تفقد جزءا من معناها. لكن في المقابل، هناك قيمة خفية في الفعل الذي يبقى صادقا حتى لو لم يره أحد، لأنه يختبر نقاء النية ويكشف عن جوهر الانسان بعيدا عن التصفيق والاعتراف. ما سنصبح حينها يتوقف على خيارنا: إما أن نذبل مع غياب العيون، أو أن نكتشف أن أجمل الاعمال هي تلك التي تظل حية في داخلنا حتى لو لم يصفق لها احد.
البكاء على الأطلال ليس مجرد دموع على ما اندثر، بل هو نشيد وفاءٍ يوقظ الذاكرة ويمنحها حياة جديدة. ففي كل أنقاضٍ يلوح معنى، وفي كل أثرٍ يختبئ درس. الخير في البكاء أنه يربطنا بجذورنا، ويجعل الحنين بذرةً لنهضة، لا قيدًا للماضي. هكذا تتحول الأطلال من خرابٍ صامت إلى مرآةٍ تُلهم القلب وتفتح له طريقًا نحو بناءٍ جديد.
ما كتبته يضع الكرامة في موقعها الصحيح؛ فهي لا تُبنى على الزيف ولا على صور مصطنعة، بل على الاتساق الصادق مع الذات. الإنكار قد يمنح الإنسان مهربًا مؤقتًا، لكنه في جوهره عبودية لصورة خارجية لا تعكس الحقيقة. أما على المستوى المجتمعي، فإن رفض مواجهة "المرآة" هو رفض للنضج، لأن الإصلاح يبدأ من الاعتراف بالخلل لا من التستر عليه. المجتمع الذي يتهرب من مواجهة ذاته يظل أسير الركود الأخلاقي مهما تجمّل بالمظاهر. نداء الوعي الذي ختمت به النص هو بالفعل المخرج