حين تحوّل الإنسان من كائن حر إلى رقم في جواز سفر
"كنا نسمى بشرا، فأصبحنا نصنف حسب الجنسيات.
كنا نعيش على الأرض، فأصبحنا نحاصر داخل خرائط"
في البدء، لم يكن هناك وطن، ولا علم، ولا حدود. كانت الأرض كلها أرضا، والسماء واحدة، والإنسان حرًا يتنقل من مكان إلى آخر، لا يسأله أحد عن هويته، ولا يُطلب منه إثبات انتمائه.
كانت الجنسية الوحيدة هي الإنسانية، وكانت العلاقة الوحيدة هي الأخوّة، وكانت المسافة بين القلوب أقرب من المسافة بين المدن
حين صُنعت الحدود، وصُنعت معها الأوهام
ثم جاء من رسم الخطوط، من قال: "هذا لي، وهذا لك"، من وضع الحواجز، ورفع الأسلاك، وكتب على الورق: "هذه دولة، وهذا وطن، وهذا علم"
وصار الإنسان يُعرّف بجواز سفره، ويُمنع من زيارة أخيه لأنه لا يحمل ختمًا، ويُسجن لأنه عبر خطًا وهميًا، ويُقتل لأنه وُلد على الجانب الآخر من الخريطة
"الحدود ليست جغرافيا، بل فكرة تُفرّق بين من يجب أن يكونوا إخوة"
العلم: قطعة قماش أغلى من الأرواح
لماذا أصبحت قطعة القماش الملونة، التي تُسمى علمًا، أغلى من أرواح شعبها؟ لماذا يُقتل الإنسان دفاعًا عن رمز، بينما يُهمّش حين يطلب حقه؟ لماذا يُرفع العلم في جنازة شهيد، بينما يُنسى السبب الذي جعله شهيدًا؟
لقد تحوّل العلم من رمزٍ للكرامة، إلى ذريعةٍ للقتل. ومن شعارٍ للوحدة، إلى رايةٍ للانقسام. ومن تعبيرٍ عن الهوية، إلى أداةٍ لتبرير الحروب
التراب الذي أصبح أغلى من الإنسان
لماذا أصبح التراب أغلى ممن يعيش عليه؟ لماذا نُقاتل من أجل الأرض، ونُهمل من يسكنها؟ لماذا نُقدّس الحدود، ونُحقّر من يعبرها؟
بالأمس، كنا نقطع مسافة بسيطة لزيارة صديق، واليوم، نحتاج تأشيرة، وموافقة، وانتظارًا، وربما رفضًا. بالأمس، كنا نُرحّب بالغريب، واليوم، نُشكّك فيه، ونُحاسبه، ونُبعده
"الوطن الحقيقي هو الإنسان، لا التراب. والكرامة لا تُقاس بالحدود، بل بالرحمة"
الحرب من أجل الوهم
أصبحنا على استعداد لقتل قريبنا، لإرضاء زعيم، أو دفاعًا عن حدودٍ لم نرسمها، أو لأن أحدهم قال إن هذا الخط لا يجب أن يُعبر
أصبحنا نُحارب من يشبهنا، ونُدافع عن من لا يعرفنا، ونُقسم الولاء لمن لا يرانا إلا أرقامًا في سجلات الجنسية
"لم نعد بشرًا، بل أصبحنا جنسيات متعددة، كلٌ يُدافع عن اسمه، وينسى جوهره"
وهنا أدركت أن الوطن ليس ما يُكتب في الوثائق، بل ما يُشعر به في القلب. وأن الحدود ليست ما يُرسم على الخرائط، بل ما يُزرع في العقول
الخاتمة: هل نعيد تعريف الوطن؟
ربما آن الأوان أن نُعيد تعريف الوطن، لا على أساس التراب، ولا على أساس العلم، ولا على أساس الجنسية
بل على أساس الإنسان. على أساس الرحمة، والعدالة، والكرامة. على أساس أن كل من يعيش على الأرض، له حقٌ في أن يُعامل كإنسان، لا كغريب، ولا كرقم، ولا كتهديد
"الوطن الحقيقي هو حيث لا يُسأل الإنسان عن أصله قبل أن يُحترم"
التعليقات