"في زمنٍ ما، كانت الكلمات تُوزن، والمواقف تُبنى، والرموز تُحترم. أما اليوم، فكل شيء يُستهلك، حتى المعنى."
نعيش في عصرٍ تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه المفاهيم، لكنّ التسارع لم يُنتج نضجًا، بل تفاهة. عصرٌ يُروّج فيه للسخافة على أنها جرأة، وللوقاحة على أنها تحرر، وللصخب على أنه حضور. عصرٌ تُختزل فيه الثقافة إلى )ترند(، ويُختزل الفكر إلى تعليق ساخر أو صورة مبتذلة.
الفكر السطحي: حين يُصبح التفكير عبئًا والثقافة ترفًا
لم يعد التفكير فضيلة، بل أصبح عبئًا على من اعتادوا التلقي دون تمحيص. السطحية أصبحت نمطًا، لا استثناء. الأسئلة العميقة تُقابل بالسخرية، والمواقف النبيلة تُتهم بالرجعية، والصدق يُفسَّر على أنه ضعف.
"من يفكر يُتَّهم، ومن يتأمل يُقصى، ومن يرفض يُسخر منه."
في هذا العصر، لا يُطلب منك أن تفهم، بل أن تتابع. لا أن تُبصر، بل أن تُصفّق. ولا أن تُحاور، بل أن تُكرر ما يُقال لك.
أما الثقافة، فقد أصبحت هامشًا في حياة الناس، تُستبدل بالمؤثرين، وتُقاس بعدد المتابعين لا بعدد الأفكار. الكتب تُهمل، واللغة تُشوّه، والذوق يُستبدل بالضجيج.
"الثقافة التي لا تُغذّى، تذبل. والمجتمع الذي لا يُفكر، ينهار."
الجرأة الممسوخة: من شجاعة الموقف إلى وقاحة اللسان
الجرأة كانت يومًا تعني قول الحق في وجه القوة، أن تقف وحدك حين يصمت الجميع، أن ترفض الظلم، أن تُدافع عن الضعيف، أن تُحافظ على كرامتك.
لكنها اليوم، أصبحت تُقاس بمدى الوقاحة، بمدى قدرتك على كسر الحياء، على استفزاز الآخرين، على تجاوز حدود الأدب باسم "التحرر".
"الجرأة الحقيقية لا تُقاس بالصوت العالي، بل بالموقف العالي."
لقد تحوّلت الجرأة إلى استعراض، والحرية إلى فوضى، والتعبير إلى تهريج.
الرموز التي تغيّرت: حين يُختطف المعنى ويُفرض التأويل
قوس قزح، ذلك الرمز الذي كان يُشير إلى الحياة، إلى التنوع، إلى الجمال بعد المطر، أصبح اليوم رمزًا لحركة شاذة لا تُعبّر عن كل الناس، بل تُفرض على الجميع وكأنها معيار للقبول أو الرفض.
لا اعتراض على حق أي إنسان في أن يعيش كما يشاء ضمن الفطرة الإلهية التي خلق الانسان عليها، لكن الاعتراض على اختطاف الرموز، على تحويل الجمال إلى شعار سياسي، وعلى فرض مفاهيم جديدة تُقصي من لا يوافقها.
"حين يُختطف الرمز، يُختطف المعنى، ويُختطف التاريخ."
ثمن التفاهة: ثقافة ضعيفة وفكر هش
التفاهة لم تكتفِ بأن تُضحكنا، بل أضعفتنا. أضعفت ثقافتنا، حين أصبح التافه نجمًا والمثقف مهمّشًا. أضعفت فكرنا، حين أصبح التقليد بديلاً عن التأمل، وأضعفت ذوقنا، حين أصبح الضجيج بديلاً عن الجمال.
نحن نعيش في زمنٍ يُكافأ فيه من يُثير، لا من يُنير. من يُضحك، لا من يُفكّر. من يُقلّد، لا من يُبدع.
"المجتمع الذي يُكافئ التفاهة، يُعاقب العمق، ويُقصي الحكمة."
هل من يقظة؟
لسنا ضد التغيير، لكننا ضد المسخ. لسنا ضد الحرية، لكننا ضد الفوضى. لسنا ضد التنوع، لكننا ضد فرض المفاهيم بالقوة.
في زمن التفاهة، يصبح التمسك بالقيم ثورة، ويصبح الصمت عن الإسفاف خيانة للوعي، ويصبح السؤال: هل سنبقى نراقب، أم سنعيد بناء المعنى؟
التعليقات