لم يكن بكاءً بل عهد

بالرضا مشى، وباليقين توجّه، لا يجهل ما ينتظره، ولا يستبطن وهم النّجاة. خرج الحسين من المدينة، وكان يعرف أنّ الطريق إلى كربلاء ليس معبّدًا بالعودة، بل مفروشٌ بالدم، محفوفٌ بالخذلان، ممهورٌ بالخاتمة التي لا ينجو منها إلّا من قُتِل.

ليس في الدم وحده ما يخلِّد الشهيد، ولا في أهوال الموت ما يرفع الذكر، فإنّ مقابر الأرض ملأى بمن قُتلوا، وصلبوا، وسُفكت دماؤهم ظلماً، ولكنَّ التاريخ لم يُنشد لهم مرثيّةً خالدة، ولم تُقِمِ الأرواحُ لمصابهم عزاءً سرمديًّا. فما السرّ الذي جعل من استشهاد الحسين بن علي عليه السلام حدثًا تتجدّد له الأحزان كلّ عام، وتتوارثه الأرواح كما يتوارث الأبناء لون العيون ولهجة الكلام؟

هذا زيد بن علي، الذي صُلِب وجُرّد وأُحرق رماده، وما من شك في عظمة بلائه، لكنه يبقى مثالًا تأكيديًّا لا منشأً تأسيسيًّا. لأن الحسين لم يكن حلقةً في سلسلة، بل بداية السلسلة نفسها. هو النبع، وغيره جداولُ امتدّت من دمه.

اظن إنّنا لا نبكي الحسين لأنّه قُتل، بل لأنّنا نعرف أنّنا لو كنّا في زمانه، لما عرفنا أين نقف...

وهذا البكاء، الذي قد يظنّه البعض فعل ضعف، هو في حقيقته أعظم أشكال المقاومة الوجدانيّة.

لأنّ الحزن، حين يرتبط بالحقّ، يصير دينًا.

يصير استدعاءً متكرّرًا للوعي، تذكيرًا يوميًّا بأنّ الظلم ما زال حيًّا، وأنّ الموقف لا يُؤخذ مرّة ثم يُنسى، بل يُجدد بالدمع والعهد كلّ يوم.

وقد بيّنت الدراسات النفسيّة والعصبيّة الحديثة هذا المعنى، وأثبتت أنّ الحزن ليس عاطفةً سلبية عابرة، بل أداة جوهريّة لتثبيت القيم الأخلاقيّة وإعادة بناء الهويّة الإنسانيّة:

بول إكمان (Paul Ekman)، رائد علم الانفعالات، صنّف الحزن كواحدٍ من المشاعر الأساسية التي تُفعّل في الدماغ مناطق الذاكرة طويلة الأمد. وقال إنّ الحزن هو الشعور الوحيد القادر على ترسيخ المعاني العميقة وتحويلها إلى جزءٍ من البنية النفسيّة الدائمة.

أنطونيو داماسيو (Antonio Damasio)، أستاذ علم الأعصاب، أثبت في أبحاثه أن الحزن يفعّل القشرة الجبهيّة المرتبطة باتخاذ القرارات الأخلاقيّة، ما يعني أنّ الإنسان لا يحزن على حدثٍ لم يمسّه أخلاقيًّا.

جورج بونانو (George Bonanno)، في أبحاثه حول الحزن الجمعي، بيّن أن المجتمعات التي تواظب على إحياء ذكرى فاجعة كبرى، تُعيد من خلال الحزن بناء هويّتها القيميّة، وتتعلّم من خلاله كيف تصوغ أخلاقها الجماعيّة حول فكرةٍ واحدة.

ولهذا، فإنّ البكاء على الحسين، وإن بدا طقسًا، إلا أنّه حالة تربويّة روحيّة لا شعوريّة، تُعيد تشكيل الضمير الجمعيّ، وتُعلّم الناس أين ينبغي أن يقفوا حين تتكرر كربلاء...

الحسين لم يطلب أن يُبكى عليه، لكنه عاش ومات بطريقةٍ لا يمكن أن يُنسى بها.

ولذلك، كلّما مرّت ذكرى الطف، سال الحزن من الأرواح، لا من العيون فقط...

ذلك لأنّ دم الحسين لم يكن صرخة، بل سؤالًا أبديًا:

"أين أنت من هذا الموقف؟"

بهذا كلّ من بكى صدقًا، فقد أجاب...

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

احسنت واوجزت، بل واوجعت يا كاتب هذه المقالة فقد نسجت من الحرف مأتماً يليق بمن لا يُرثى إلا بالوعي ولا يُبكى إلا بمن عرف مقام الدم حين يتوضأ بالحق.

رحم الله الحسين ولعن الله قاتليه. من يومين كنت أتحدث مع أحد المعارف عن هذا الحدث فعاب على البعض ممن يحزنون لمصاب الحسين وقال ما معناه أنه ليس أولى من رسول الله صلي الله عليه وسلم. وقد بينت له أن مصاب الحسين وخروجه واستشهاده هو وآل بيته إلا علي زين العابدين وخروجه لا أشرًا ولا بطراً إلا مطالبة بالحق في أمة جده عليه الصلاة و السلام تجعل منه ومن مصابه حادث فريد على مر التاريخ. فقد تمايز المعسكران: معسكر الباطل الأبدي و معسكر الحق الأبدي. الباطل جيش عمرو بن سعد وقائده يزيد و الثاني الحق بقيادة الحسين وأصحابه وآل بيته. الحقيقة كنت أجهل مصاب الحسن حتى قرأت من بضعة أعوام كتاب العقاد: بو الشهداء الحسين بن علي. لقد بكى العقاد و أبكانا في وصفه لتلك المعركة الخالدة وبين لنا كيف يكون الإستشهاد في سبيل الحق و الكرامة. فرحم الله سيد الشهداء وعلى قاتليه اللعنة.