ليس كل دعاءٍ يُقال لغرض مباشر.

بعض الأدعية تُقرأ لتُعيد ترتيب الداخل، لتجعل القلب يلتفت قبل اللسان، والعقل يتوقف قليلًا عن طلب النتائج.

وقعتُ على نصٍّ لم أشعر وأنا أقرأه أنني أرفع يدي إلى السماء، بل كأن الكلمات كانت تنزل عليّ، تدخل ببطء، وتُعيد تشكيل الداخل دون ضجيج.

لم يكن دعاء استعجال، ولا قائمة رغبات، بل لغة فناءٍ هادئ، تبدأ بطلب الدخول لا الأخذ:

"رَبِّ أَدْخِلْنِي فِي لُجَّةِ بَحْرِ أَحَدِيَّتِكَ..."

منذ السطر الأول، يتخلّى النص عن المسافة.

لا يقف عند العتبة، بل يطلب الغرق، كأن القرب لا يُنال بالاقتراب، بل بالذوبان.

اللغة هنا لا تشرح التوحيد، بل تُلقي بك فيه:

"وَطَمْطَامِ يَمِّ وَحْدَانِيَّتِكَ..."

حتى الحروف تتكسّر، كأنها لا تتحمل حمل المعنى كاملًا.

ثم يبدأ التحوّل.

لا انتقال مفاجئ، بل صعود داخلي متدرّج:

"وَقَوِّنِي بِقُوَّةِ سَطْوَةِ سُلْطَانِ فَرْدَانِيَّتِكَ..."

قوة لا تُطلب لذاتها، بل كأثرٍ جانبي للفناء.

الهيبة في هذا الدعاء ليست سلطة، بل حضور يجعل القلوب تنقاد دون قهر:

"وَارْزُقْنِي مِن نُورِ اسْمِكَ هَيْبَةً..."

ثم يعود النص إلى العالم، ولكن عودة من تغيّر:

"حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى فَضَاءِ سَعَةِ رَحْمَتِكَ..."

لا خروج انفصال، بل خروج من حمل سرًّا.

وفي قلب الدعاء، لحظة وقوف صامتة، كأنها حُجّة وجود:

"كَيْفَ أَصْدُرُ عَنْ بَابِكَ بِخَيْبَةٍ، وَقَدْ وَرَدْتُهُ عَلَى ثِقَةٍ بِكَ؟"

هنا لا يعود الكلام دعاءً، بل يقين يُقال بصوت خافت.

وحين يطلب الحماية، لا يطلبها خوفًا، بل حفاظًا على أثره:

"اِدْفَعْ عَنِّي كَيْدَ الْحَاسِدِينَ..."

كأن النور هشّ ويحتاج إلى ستر.

هذا نص لا يعلّم كيف تطلب، ولا يعدك بإجابة، بل هو تجربة لغوية وروحية تُشعر القارئ بالسكينة، حتى لو كان بعيدًا عن أي مذهب أو تقليد.