القاهرة ٣٠- التكيف مع المجتمع الفاسد

قبل بضعة أيام شاهدت لأول مرة فيلم "القاهرة 30" عن رائعة نجيب محفوظ، وكنت قد قرأت الرواية منذ زمن ولكني بُهرت أكثر بالفيلم خصوصًا من خلال آداء نور الشريف، في دور محجوب عبدالدايم. الشاب الفقير الذي يقبل بدور الزوج القواد لرجل غني بحثًا عن الثراء السريع، الحقيقة أن مثال محجوب عبدالدايم لم يكن الوحيد داخل الفيلم، عن أشخاص جاؤوا من بيئات فقيرة للقاهرة بحثًا عن الرزق، وفوجئوا بفسادها وماديتها البحتة، ولكن قرروا عكس غيرهم الانخراط تحت تلك العجلة القاسية، ووجدت في الامر مقاربة مع ما يحدث الآن في أوساط الكترونية.

فقد ترى شباب وبنات في سن صغير مقبلين على الحياة ليفاجئوا بصعوبة تحقيق الاموال بطرق شرعية، وسهولة شديدة في المقابل لتحقيقها بصورة غير أخلاقية، فشخصيًا عرفت شبابًا استهزءوا بتطبيقات المراهنة واستنكروا من يحملها، والآن هم من أكبر مستخدميها ولا يقدرون على التخلي عنها، وطبعًا قضية اتجاه كثير من البنات للايفات المنصات المختلفة، أو حتى المنصات العالمية المخصصة للعري مقابل المال، التي تجعل البنت تفكر أن لا خطر في الأمر، تجلس في بيتها وتحقق مبالغ طائلة ستقسم ظهرها إن حاولت جنيها بالطرق التقليدية، تمامًا كما فكر بطل الفيلم في كلمته الشهيرة "طز!"

فهل يكفي إعادة ترسيخ مرجعية أخلاقية قوية وأن محجوب عبدالدايم هو ركز للضعف الاخلاقي ؟ أم أن الأمر أكبر من ذلك وهو ضحية للظروف الاقتصادية كسائر الأمثلة الآخرى؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

قد أكون قاسياً في كلامي ولكني لست متعاطفاً مع الفقراء ولا أومن كثيراً بالصعبانيات الاقتصادية، الظروف المادية والاقتصادية ليست قدَر محتوم أكيد يمنع الإنسان من النجاح، برأيي يمتلك كل إنسان عاقل القدرة على التغيير من خلال الإرادة والعمل المستمر والتاريخ مليء بأمثلة لأشخاص بدأوا من الصفر وتحدوا الفقر لتحقيق نجاحات كبيرة. اليوم اذا لاحظنا التعليم الذاتي وتطوير المهارات واستغلال الفرص الصغيرة متاح للجميع وهي أدوات فعّالة للخروج من أي مأزق اقتصادي. ولذلك بدلاً من النظر إلى أنفسنا كضحايا يمكننا اعتبار التحديات حافز للإصرار.

التغيير يبدأ من العقلية نفسها وأنا أكره من يعيش بدور الضحية.

أنت محق بكل كلمة ذكرتها، ربما هذا لا يعجب المتعاطفين معهم ولا يعجبهم أنفسهم، ولكن لماذا أشفق عليك واختلق لك العذر وأنت لم تحاول كفاية ؟!

شخص أعرفه رأيته منذ فترة يبيع مواد وعقاقير مخدرة، الشاب كان من خريجي كليات القمة، وببساطة برهن فعله أنه لم يجد عمل، والجدير بالذكر أنني اتخذت الإجراءات اللازمة معه، لم اتعاطف ولم اصمت على خطأ واجزم واؤمن أنه لم يحاول كفاية

شخصيًا أقيم الموقف بالمستوى الوعي والتفكير للشخص، فمثلًا في حالة الشخص الذي تعرفه فهو بالفعل على قدر كافي من العلم لأن يعلم أن هناك مخارج من موقفه أكثر نزاهة من موقفه الصعب ولكنه اختار ذلك، ولكن ماذا عن الأشخاص المطحونين تحت نافذة الصعاب ولكنهم لا يملكون الفكر الكافي للتغيير؟ أشخاص أقابلهم يوميًا ولا يفهمون او يتعرفون على مبادئ التعلم الذاتي أو فرص العمل بدون شهادات حتى، يتركون أنفسهم للحياة تستغلهم، ولكن بدون وعي مسبق منهم، بصيرتهم مظلمة.

 ليس هناك منظومة أخلاقية تبقى صامدة في كل الأحوال وفي كل الأزمنة. الحياة محكومة بالتحول وبالصيرورة، لكن الحقيقي أيضا أنه لا تأقلم ولا تطور يحصل في منظومة الحقيقة والأخلاق إلا من خلال بناء أنساق فلسفية قوية ومرنة قابلة للتجدد والتطوير.

وكذلك هناك الشق الفردي في المسألة، فكل نفس على نفسها بصيرة ولو ألقت كل المعاذير. ينبغي على الإنسان الصادق مع نفسه والذي يرغب في العيش بشكل أصيل أن يستفتي قلبه وفطرته الباطنة، وأن لا ينكر نزوعه نحو الفضيلة بداعي المصلحة العارضة. وإن اضطر إلى التنازل قليلا، وهو لا محالة مُعرَّضٌ لمثل هذه الأحوال، فعليه بالتعقل والاعتدال حتى ينزاح العارض ويعود للجادة القويمة.

الإنسان مسؤول عن غربلة قراراته وفق فطرته وقلبه، ولكنه أيضًا مطالب بأن يبقى منفتحًا على الحوار المجتمعي ليختبر صحة رؤيته الأخلاقية.

كما أن الاعتدال والتعقل أدوات توجيه مؤقتة، لكنها بحاجة إلى دعم فلسفي يمكّنها من مواجهة الأزمات والتحديات دون فقدان البوصلة التي تدعونا لتلمس الخير والحق والجمال.

ولكن ذلك التدعيم الفلسفي يحتاج لأساس فكري قوي ومرجعية أخلاقية كما قلت، وشخصيًا لا أتفق كفاية مع مفهوم فطرة الإنسان لفعل الخير، فإن تربى الشخص في بيئة مظلمة قد تتغير المعايير داخل عقله وقلبه، وتجعله يبرر مثل تلك التصرفات من أجل النجاة ولقمة العيش.

أتفق معك أن مفهوم الفطرة الخيّرة وحده قد لا يكون كافيًا كأساس أخلاقي، خصوصًا في ظل البيئات التي تُعيد تشكيل المعايير الأخلاقية وفق منطق البقاء. لكن هذا لا ينفي الحاجة إلى مرجعية أخلاقية قوية تتجاوز الظروف الاجتماعية المؤقتة.

قد ينحرف الإنسان تحت ضغط الظروف، وهذا يعكس هشاشته أكثر مما يُثبت شرّه الأصلي. ومن هنا أتصور أن فلسفة الصيرورة الأصيلة تُقدّم أساسًا مختلفًا؛ فهي لا تعتمد على الفطرة كنقطة انطلاق جامدة، بل تُركز على التجدد المستمر في بناء المعنى من خلال الحركة والتجربة.

بهذا المنظور، تغدو الأخلاق قيمًا ومعايير غير ثابتة أو معطاة سلفًا، بل هي جهد دائم لاكتشاف الأفضل ضمن سياق الحياة المتغير. وحتى في البيئات المظلمة، تبقى هناك فرصة لإعادة بناء الأخلاق من خلال النبض الإنساني العميق الذي يشُدُّنا نحو المعنى والكمال. وهذا النبض قد يصدر عن محض عقيدة وإيمان، أو عن تجربة استبطان وتأمل داخلي عميق.

ولعل التساؤل الأهم ليس: هل الإنسان خيّر بالفطرة أم شرير بالطبع؟ بل: هل يستطيع، حتى في أقسى الظروف، أن يُعيد تشكيل نفسه أخلاقيًا؟ أعتقد أن الإجابة تعتمد على قوة الإرادة وعمق الرؤية التي يُمكننا ترسيخها في المجتمع. فما رأيك في هذا المنظور؟

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

الكلمة الشهيرة التي كان يرددها محجوب عبدالدايم في الفيلم "طز!" ليست مجرد تعبير عن موقف فردي، بل هي تمرد على منظومة تُجبر الأفراد على خيانة مبادئهم من أجل البقاء. وحتى بواقعنا الحالي تجد المنظومة الاقتصادية أحد العوامل التي تدفع الافراد للكسب السريع بصرف النظر عما ينتهجوا أو يقدموا، فللأسف لا يمكن فصل الأخلاق عن الواقع الاقتصادي. تحسين الفرص الاقتصادية وتوفير مسارات واضحة لتحقيق النجاح بطريقة شرعية هو أساس الحد من هذه الظاهرة. فمن الصعب أن أحاسب سارق الطعام وهو ليس لديه وسيلة للحصول على الطعام

أن أحاسب سارق الطعام وهو ليس لديه وسيلة للحصول على الطعام.

لا قد نحاسبه على عدم بحثه بشكل كافي عن وسيلة للحصول على الطعام، وعلى اتخاذه قرار السرقة كحل أولي بدلا حتى من محاولة الطلب والاستئذان، أنا أجد نفسي أتفق بشكل كبير مع وجهتي نظر @Diaa_albasir و @Eslam_salah1 في كون الفقر والظروف ليسا مبررا لعدم النجاح لأنه الفرص سواء للتعلم أو العمل أصبحت موجودة بخيارات عديدة في العصر الحالي. الاغلبية فقط تتكاسل عن البحث عنها، ونستثني بالطبع بعض الحالات التي تواجه ظروف قهرية أثرت على ذلك كالمرض مثلا.

صحيح ولكن كما كنت أقول لـ @Eslam_salah1 أن هناك أشخاص بجانب إجبارهم من المنظومة على الانحلال الأخلاقي لكسب المال، هم لم يكونوا مرجعية فكرية أو أخلاقية أصلًا، قد يقنعهم أحد أن المراهنة أو لايفات المنصات حلال وقد يقتنعوا لأنهم لم يروا أو يعرضوا لطريق آخر، تلك الفئة التي منذ نعومة أظفارهم وجدوا أنفسهم مجبرين على طريق واحد وسماع رأي واحد يحاول استغلالهم.

أم أن الأمر أكبر من ذلك وهو ضحية للظروف الاقتصادية كسائر الأمثلة الآخرى؟

لا، لا أعتقد أن الأخلاق يمكن أن تتهاوى أمام الظروف الإقتصادية وحدها؛ فليس بالخبز وحده يحيى الإنسان. ولكن هنا لابد أن نفرق بين نوعين من الفتيات مثلاً مما يعرضن قلة الحياء على الناس في الفضاء الإلكتروني. فهنالك نوع يريد أن يوفر الأساسيات ولهذا فهن معذورات ونحن لا نعلم ظروفهن أما النوع الآخر فهو من توافر لديهن الحد الأدني من مقومات الحياة ثم يرغبن بالمزيد من الترفيات فهؤلاء لسن ضحايا بل أس الفساد في المجتمع. لابد للحكم هنا أن نضع أنفسنا موضعهن ونشعر بشعورهن ونرى بأعينهن. و الحقيقة هن معذورات في ولو قليلاً لأنهن يرون انقلاباً حاصلاً في المجتنع ككل فلا يثبتن أمام المغريات ولسان حالهن يقول: عش كما تعيش الناس فلستأفضل منهم!

هناك فيلم آخر شاهدته يعرض الأمر بطريقة مخصصة للفتيات رغم أنه قديم نسبيًا، وهو فيلم Monster حيث أن بطلة الفيلم تم اغتصابها وهي صغيرة، وتربت في بيئة فقيرة جدًا، لدرجة أنها لم تعرف حتى دخول المدرسة، ووجدت حينها طريقها للعمل ببيع جسدها للأشخاص العابرين عبر الطريق، وفي لحظة ما في الفيلم تقرر هي الاعتزال وبدأ حياة مستقرة والبحث عن وظيفة، يقرر المجتمع نبذها نبذًا شديدًا، للدرجة أنها تم رفضها من كل الوظائف أما بسبب ماضيها أو قلة مهاراتها.

ذلك الفيلم عن قصة حقيقية، ولا شك أنه يمثل فتيات آخرى وحتى فتيان لم يقدم لهم من الأساس الطريق الواضح للحيد عنه، بل ولدوا خارجه وقلة قليلة من نجحت في العودة لأنها كانت محظوظة كفاية.