جحيم المدينة
بعد فترة، استفاق ميدوس مرة أخرى، ومازال شعور الخوف من أن يؤذيه الرجل الذي راه ملزمه. أخذ قطعة خبز وهرب سريعا من مكانه، خائفًا من أن يستيقظ صاحب السلة. جريًا بخطوات سريعة، حاول أن يبتعد عن عتبة المدينة، وكان كل ما في باله هو العودة إلى موطنه، وحاول أن يخفي ما تبقى من القطعة تحت ملابسه الممزقة من قطرات المطر المتساقطة حتى وصل إلى نهاية الضواحي.
وها هو يواجه منطقة المنازل العشر الملعونة، التي تغطي أرضها قمر دموي بلون أحمر قاتم. يخطو إلى الداخل وهو يتذكر كلمات حبيبته: "لا تأتي في الليل مهما حدث، لأنك سترى الجحيم على الأرض." يشعر بالرعب من ظلال متحركة حوله، ويسمع كلمات غريبة تخرج من المنطقة، فتشق الأرض لتظهر عشرة منازل بعد هذه الكلمات الغامضة، وفي وسطها منزل ينير المكان بالكامل بلون أحمر قاتم، ينبعث منه هالة الموت على كل من يقترب.
يركض ميدوس بأقصى سرعته دون أن يلتفت إلى تلك الأصوات، حتى يصل إلى منزل حبيبته، الذي يقع قبل تلك المنازل المضيئة ببضعة أمتار.
في الوقت نفسه، كان جاسر، أحد رجال الشرطة في مدينة الموتى، يتجول بالقرب من منطقة البيع والتمويل. وبجواره كان كلب يظهر عليه سلوك غير طبيعي، كأنه يحاول الهروب من شيء ما. استطاع جاسر الإمساك به بقوة، لكنه فرّ هاربًا. هتف جاسر بزفير قوي: "عليك اللعنة، أيها الكلب الجبان! يلقبونك بالكلب الوحش لأن رأسك مزدوج وجسدك كنمر، هههه."
حمل جاسر شعلة لينير بها المكان أمامه ذهباً إلى المكان الذي هربا منه الكلب، فيتحولًا من الحماس والفضول حول تصرفات الكلب إلى الخوف والرعب من المشهد الذي اكتشفه أمامه. حين حاول جاسر الهروب، تعثر وسقط على وجهه بجانب صخرة. نهض وسار بعيدًا دون أن يلتفت للحادث الذي وقع له قبل دقائق، حتى وصل إلى سجن الجوع والخوف في قلب المدينة.
دخل جاسر المكان بسرعة وصاح في وجه أحد رجال الشرطة: "أين المأمور جبار؟"
حاول حارس المأمور أن يهدئه، لكنه استمر في التلعثم: "الجحيم على الأرض."
خرج جبار من غرفته ليظهر رجل فى العقد الرابع من عمرة ذو بنية جسدية متناسقة وقوية، وجرح عميق في عينه اليمنى يمتد من فوق حاجبه حتى أسفل عينه. عندما تنظر إليه، ستشعر بالرعب بداخلك من شدة نظراته، كأنك أمام أسد جائع ينتظر ليفترسك. صاح جبار بصوت قوي: "ماذا تريد أن تخبرني به، أيها الشرطي؟"
الشرطي تلعثم من الخوف، لكنه استجمع شجاعته وقال: "نزل الجحيم على أيزن، ابن حاكم مدينة الدمار."
حرك جبار يده مشيرًا إلى حارسه بالدخول، وبعد دخولهما الغرفة، أغلق الحارس الباب. جلس جبار على كرسيه، قائلاً بصوت هادئ: "أخبرني كاملاً عما رأيت."
بعد أن هدأ الشرطي، بدأ يروي: "الجزء الشمالي من منطقة البيع والتمويل لا يمطر، والسماء صافية. أما خارج حدودها، فالأمطار تتساقط كما هي الآن. هرب الكلب الوحش بمجرد ملاحظته لذلك. ذهبت لاستكشاف المنطقة ووجدت حفرة عملاقة مليئة بمياه المطر الممزوجة بدماء الأمير أيزن، وكان جسده يطفو فوق البركة ويتسلل سائلًا مجهولًا الى فمه. هذا ما شاهدته."
نادى جبار الحارس ليرسل النسر الملكي إلى الفرقة الملكية ويجهز العربة للذهاب إلى الملك فورًا، قبل طلوع فجر اليوم التالي، لتفادي حرب محتملة مع نسل المدمر.
بعدما وصل ميدوس إلى منزل حبيبته في ليلة مظلمة، دخل إلى باحة المنزل وهو يسير في الظلام، وفجأة صدم بكرسي حديدي ملقى على الأرض. بدا متعبًا ومنهكًا، لذا جلس على الكرسي وأخرج قطعة من الخبز الذي كان يحمله، حيث كانت الوحيد التى تمكن من الحصول عليه بعد يوم طويل من التجوال في شوارع المدينة.
كانت الدموع تتساقط من عينيه بسبب الصعوبات التي واجهها والمحن التي عانى منها في سبيل الحصول عليها. أكل القطعة المتبقية من الخبز ببطء، وفي صمت تام استرجع ذكريات أيامه الصعبة ورحلته المضطربة.
عندما كاد ينتهي من تناول الطعام، لاحظ ميدوس نورًا خافتًا يخترق الظلام من أسفل الكرسي. فتح عينيه باهتمام ورأى عصاه التي تركها في منزله، ولم يتوقع أبدًا أن يجدها هنا في هذا المكان. استلقى عليها بيده برهة، مرتجفًا وهو يتذكر الألم الذي عانى منه فى ايامه.
قائلا: "أنا الذي تركتني الظروف أتشرد في شوارع المدينة المظلمة، وأخذت مني والدي وتركت لي عصاي التي لا أعرف ما هي، وفرقت بيني وبين حبيبتي. ولم تكتف بذلك، بل أضافت لي صداعًا شديدًا يصيبني كلما تذكرت حالي."
يصمت لبرهة، ثم بصوت هادئًا مليئًا بالغضب والحزن، يقول:
"أنا المد..."
لكنه فجأة يفقد وعيه ويسقط على الأرض. العصا ما زالت تضيء بنور خافت، تاركة الليل يعلو حوله بكل هدوءه وحزنه.
بعد دقائق قليلة من انطلاق جبار، وصلت العربة أمام بوابة حديدية عملاقة مزخرفة بنقوش قديمة. جلس رجل أسود البشرة في منتصف العقد الرابع من عمره خلف البوابة على كرسي خشبي متهالك. عندما لاحظ العربة تقترب، نهض ببطء، مشدودًا برداءه البسيط، وتقدم ليفتح البوابة بجهد واضح. قال بصوت جاد:
"تأمرك مولاتي أن تسير الباقي على قدميك."
انصرف الرجل عن السيارة وابتعد تدريجياً عنهما، ثم نظر جبار إلى سائقه وأمره:
"عد ولا تأتي إلا حين يظهر النسر الملكي."
السائق: "حسناً يا سيدي."
عاد السائق بالعربة بينما بدأ جبار السير باتجاه القصر. كانت حدائق القصر المحيطة مزينة بأزهار ملونة تعبق برائحة عطرة، وأشجار عالية تظلل الممرات. ابتسم جبار قائلاً في نفسه: "متى سأكون جزءاً من الحراس الملكيين حتى أستقر هنا؟" لكن أفكاره توقفت فجأة عندما ظهر أمامه مشهد مهيب.
ظهرت امرأة طويلة القامة ببشرة بيضاء كالعاج وشعر ناري اللون يتدلى بحركات متلاطمة كألسنة اللهب. على رأسها تاج من الورود السوداء، وعيناها الزرقاوتان تلمعان بنظرة تعرف كل ما يدور في دواخل الآخرين. كانت ترتدي فستاناً أحمر يتلألأ كالنيران اللامعة في الظلام، مما يجعلها تبدو وكأنها قادمة من عالم آخر.
السيدة الغامضة: "من أذن لك أن تنظر أمامك وأنت تسير، أيها الخادم؟"
تجمعت قطرات العرق على جبينه من شدة الخوف، وأصبح تنفسه بطيئاً ومتقطعاً. أجاب بصوت مخنوق وهو ينظر إلى قدميه: "أعتذر، سيدة المستشارة، سيلا المدمر."
سارت المستشارة الملكية بخطوات واثقة وخلفها جبار، بينما عقله يزدحم بالأسئلة: "لماذا لم تغادر مع باقي نسل المدمر؟ حتى نسلم شرهم." تستدير إليه فجأة قائلة بنبرة حادة:
"حتى تعلم مكانك، ولا تتجرأ على أن تفكر بأن تكون هنا مرة أخرى. وإن قلت عندي هي دون أي تعظيم، سأقطع رقبتك."
استمرت في سيرها حتى وصلت إلى باب كبير مصنوع من خشب السنديان الصلب ومزخرف بصورة لميدوس المدمر الاول، جالساً على عرش وبجواره الملك حارس المزيف. تُفتح الأبواب ببطء تلقائي لتكشف عن قاعة فسيحة مزينة بثريات كريستالية وسجاد أحمر فاخر. يجلس الملك قزح على عرش من الذهب في أعلى القاعة، ومن حوله يقف قائد الجيش بكامل بزته العسكرية، وكبير العلماء يرتدي رداءً أبيض مطرزًا بالرموز السحرية، وحارس غرفة الانتقاء بعيونه الثاقبة.
عندما دخلت سيلا، ركع كل من في القاعة لها، قائلين بصوت واحد: "نحى ملكة جزيرة الأحلام."
تصعد سيلا بجوار الملك قزح لينهض وتجلس على عرشها، قائلة: "تكلم، أيها الخادم. ما الذي أتى بك إلى هنا غير ما ذكر في الرسالة التي جلبها النسر الملكي؟"
تحدث جبار وهو لا يزال ينظر إلى الأسفل بصوت مرتعش قائلاً: "لقد جئت لأستعين بقوات من الحرس الملكي للقبض على من فعل ذلك وأطلب تأجيل إعلان تلك الأخبار."
ردت الملكة بضحك هستيري، صوتها يتردد في أرجاء القاعة: "هههههههههههه، يا لك من أحمق. أتريد أن ترى إلى أي مدى تصل قوة نسل المدمر؟"
ثم نهضت من مكانها وأمرت قريتها أليس، أن يذهب إلى المكان الذي ذُكر. بعد لحظات، عاد أليس وهو يرتجف ويروي لها ما رأى، مما جعلها تصرخ بصوت عالٍ صدح في قاعة القصر، مملوءة بالغضب والدهشة. بدأ الجميع يتساءلون: "ماذا حدث؟"
تستدير الملكة ببطء تجاه الملك قزح وتقول بحزم: "أنت آخر نسل المزيف."
وعندما سألها الملك بارتباك: "لماذا؟" نظرت إلى الجميع وأخبرتهم بما قاله قرينها: "عندما ذهب إلى هناك، وجد إبادة جماعية لجميع أنواع الجان والشياطين في منطقة البيع والتمويل، ولعنة القمر الدموي انحسرت من هناك."
ثم تصمت لوهلة وبصوت مضطرب تقول: "سأغادر القصر، بل الجزيرة بأسرها، ومن الأفضل لكم أن تغادروا. ولكن هناك حل لكم، هو أن تضعفوا قوته من خلال سم الوردة الحمراء."
ثم تختفي من القاعة فجأة، تاركة الجميع في صدمة، باستثناء حارس غرفة الانتقاء الذي يبتسم بخبث، قائلاً: "لقد انتهى وقتي بتحقيق النبوءة." ثم يغادر دون أن يعترضه أحد.
يُبلغ الملك قائد الجيش بأن يرسل مجموعة من عشرين قائداً من الحرس الملكي تحت قيادة جبار للقبض على المجرمين، ومعهم أفضل شرطي في مدينة الموتى. بعد ذلك، ينصرف الجميع، تاركين القاعة في صمت مشوب بالقلق والتوتر.
قبل شروق الشمس ومع تلاشي ظلام الليل تدريجياً، يفيق ميدوس وينهض من فراشه، ناظراً إلى الغرفة التي كانت بالكاد مضاءة. يلاحظ سائلًا غريبًا يتسرب من جدران الغرفة ويتجمع في شقوقها. يقترب ليتفحص السائل، فيضع يده عليه فتتلطخ يده بلون لا يراه، لكن رائحته كانت نافذة وقوية. يصرف نظره عن الجدار ويخرج من الغرفة بخطوات مترددة.
في الخارج، يسمع صرخات متتالية تأتي من كل الجهات، خاصة من باحة المنزل، دون أن يرى مصدرها. يتبع الصرخات بخوف حتى يصل إلى الباحة، حيث يقف مدهوشًا جاحظ العينين. وفجأة، يستدير هاربًا من المكان بأسره، ملامح الرعب تكسو وجهه، وكأن ملايين الشياطين تطارده. يركض بين الشجيرات، والأصوات تلاحقه من كل مكان، تهمس في أذنه: "قد اقترب، وصل سيدنا".
يضع يديه على أذنيه محاولاً حجب الأصوات المرعبة. وعندما تبدأ الشمس بالظهور في الأفق، يعم الهدوء وتختفي الأصوات، كأن الليل أخذ معه كل تلك الكوابيس.
عندما خرج ميدوس من منطقة المنازل العشر الملعونة في الصباح التالي، رأى بعض رجال الشرطة يتحركون في المكان. الأمطار كانت قد توقفت لكن بقاياها ما زالت تتساقط من فتحات السماء المظلمة، مما أضفى جوًا باردًا ورطبًا على الأرض. ظل ميدوس واقفًا في الظلال، يراقب حركة الشرطة بانتباه شديد، وفجأة شعاع من الشمس المتسللة اخترق الغيوم ليضيء وجهه الذي كان متوترًا ومحملًا بالقلق.
في داخله، تشابكت الأفكار والمشاعر بشكل معقد. "لماذا هؤلاء الشرطة هنا؟ هل هم يبحثون عني؟ أم أن هناك أمرًا آخر يدور؟" صوت الشك والخوف يتسللان إلى عقله، مما جعله يتردد في كل خطوة يقوم بها. "ربما هم جاءوا بسبب جريمة أخرى، ليس لدي سبب للقلق"، حاول ميدوس أن يطمئن نفسه، ولكن دون جدوى.
بينما يحاول تقييم الوضع، استمرت تلك الأفكار في التداخل. "إذا كانوا يبحثون عني، هل سأكون قادرًا على الفرار؟ ما هي خياراتي الآن؟" تباينت المشاعر بداخله بين الخوف واليأس والأمل، مما جعله يتجنب النظر مباشرة إلى أفراد الشرطة الذين كانوا يتحركون ببطء بين الأزقة المبللة.
هذا هو الجزء الاول
التعليقات