في خزانة منزلنا الصّغيره اثنين من الرفوف لي؛ أحدها يحتوي كيس من ورد مجفف كنت اقطفه أيّام الجامعة وأحتفظ به، وملف أسود يحتضن بداخله بعض الذكريات بالإضافة إلى أوراقًا هامّة؛ شهادتي الجامعية، شهادة تقدير لأول قصيدة كتبتها وشاركت بها في مسابقة المدرسة، أذكر حينها أن المديرة لم تسمح لنا بالذهاب لإحتفال التكريم لسوء سلوك زميلاتي؛ لا أعرف لم لا زلت أذكر ذلك..

يبدوا أنني بعد أكثر من عشر سنوات لم أتخطى عتبي عليهن ولا حزني لرحلة تشوقت لها ولم تتم، ولا عقوبة شملتني على غير ذنب!

وبه أيضًا أول كتاب إستدرجني لعالم ترتحل به الروح لا الجسد، عالم تتقدمه لافتة نحتت بقلم من فكر سمّيت ب "المطالعة"..!

كتاب بعنوان "واحدة تكفي" تبث قصة كفاح طفل صغير..

لا زلت أبتسم كلما تذكرت براءتي في الحصول عليه بطريقة غير شرعية نوعًا ما..!

أذكر ان مكتبة مدرستنا أعلنت عن مسابقة لأفضل مطالع، فعقدت العزم على الذهاب للمكتبة كل حين، اجلب العديد من الكتب لتسجل مسؤولة المكتبة عدد المرات الكثيرة التي استلفها بها لتحتل زاوية من منزلنا ثم اعيدها دون الإكتراث لعددها او حتى لعناوينها!

كانت الجائزة لمن يتصدر قائمة الاكثر إستلافًا، يبدوا أنني بدهاء الطفولة أدركت ذلك من البداية لذلك تصدرتها فكان النجاح حليفي!

هههه... لا علينا!

الرّف الثّاني يحتوي نصفه على علبتين من الشوكولا، بالطبع يمكن ان يحزر أي طفل عاش برفقة جدته ما تحتوي بداخلها..! كراكيب صغيرة كانت آخر ما تبقّى من مادّة الذكريات، بعض الخرز، وقطع إكسسوارات ملفتة..

والنصف المتبقي من ممتلكات هذه الرفوف؛ حديث العهد!

به دفاتر جديدة كل واحد منها لم تمتلئ منه سوى بضعة صفحات تركت سطورها في بداية الطريق!

وأقلام حبر ملوّنة لم ينفد منها سوى ثلاثة أو أربعة أقلام على الأكثر! لم تنفد بشكل طبيعي، إنما استهلكت من أطرافٍ عدة، كل طرف أكمل بها إجراء صغير..

وقصاصات ملاحظات تنظر بعين الإستغاثة، أعيديني للمكتبة ارجوكِ لا عمل أُأَدّيه هنا!

كل مرة أعيد ترتيب زاويتي هذه أبتسم وأحن للعتيق منها، وأحزن على المُستجد الذي يذهب عمره دون الإمتلاء!

مُذ تخرجت من الجامعة لا أعلم ما التّسيب الذي أعيش به، لا رادع يخيفني كحرص امي على إتمام مراحلي الدراسية، ولا خوفًا يشبه ذاك الذي كان يسكنني تجاه غضبها على الفشل!

في بعض الأحيان أحاور نفسي وأسألني يا ترى ما كنت أريد بالضبط؟ لا أذكر انني درست في الثانوية بدافع الطموح ولا دخلت تخصصي بحبي له، ولا أشعر أنني أفضّل شيئًا يحتل المركز الاول من اولوياتي!

في بعض الأحيان كنت أشبه نفسي ل "تنة ورنة" لا أبرع في شيء محدد بكثر ما أبرع بحل المشكلات على اختلافها! لكنني لم أعرف بعد، ما الذي أريده بالضبط؟!

تخطيت السؤال بمحاولات لإيجاد حلول لجوانب أخرى من حياتي..

كانت أكثر الأسئلة التي أتميز بحلولي لها تلك التي تُعني بالدّين!

أذكر حتى في المدرسة كنت احصل على علامات جيدة بها وان لم ادرسها، لإعتقادي أنها تُحلّ بالمنطق السّليم! كنت ولا زلت أحبها لأنني أوقن أن الدين هو الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة!

لذلك بدأت في دراسة التجويد لكنني لم اتغلّب بالمستوى الأول لأنني بفضل الله كنت ارافق أمي منذ الطفولة الى مراكز القرآن.

رغم ذلك حتى الآن لم أتقدم لإختبارها لأنني لم أدرسها بالدقة المطلوبة! وبدأت مرات عديدة في الحفظ لكنني خرجت من برامج عدة لأنني عند نقطة محددة لا أستطيع الإحتفاظ بها ولو ابتلعتها!

ظننت أن الشعور بالإلتزام هو ما يقيّدني فشرعت لعمل برنامج بنفسي وبرفقة صديقاتي لنبدا بالحفظ مع التفسير لكننا لم نصل لخمسة لقاءات حتى بسبب ظروف تزور كل واحدة منهن على حدة!

والآن أقف بحيرتي وتسيّبي عند السؤال ذاته، ماذا اريد بالضّبط؟

وكيف أحمل طريقي الجديدة على قالب الإلتزام الذي لم تكترث له أمي بدقة سوى في الدراسة والخُلق؟