إلى الذي لم يحضر قط

آخر مرة رأيتُ أبي كانت في التاسع من أكتوبر عام 2024.

واليوم… نحن في الثاني والعشرين من يوليو 2025.

مرّت عشرة أشهر كاملة منذ ذلك اللقاء الأخير.

حين يسألني أحد الأقارب أو الأصدقاء عنه، أجيب ببساطة: “إنه يعمل”.

وهو فعلاً يعمل.

لكني أعرف… أبي يستطيع أن يأتينا.

فالرحلة لا تستغرق سوى أربع ساعات ذهاباً وإياباً.

لكنه لا يريد.

نكتفي باتصال هاتفي هنا أو هناك… لكنني، مؤخراً، بدأت أسأل نفسي:

متى كان أبي حقاً موجوداً؟

متى كان حاضراً في حياتنا، كما يليق بأب؟

والجواب الذي يتردد في داخلي: ولا مرة!

حتى في تلك السنوات التي قضاها معنا، كان غائباً بطريقة ما.

مرة يغيب في دوامة إفلاسه وخيباته،

وأخرى يختفي في عالم “روحي” غامض، لا أريد الخوض فيه أكثر، لكنك فهمت…

كانت تلك الأيام الأقسى.

كنت أرى أمي تأخذني وأشقائي الصغار إلى غرفة، وتغلق الباب علينا خوفاً منه.

لأننا كنا نسمع كل يوم عن رجال فقدوا عقولهم وأزهقوا أرواح عائلاتهم تحت تأثير المخدرات وما شابه.

تحمّلنا كل شيء.

كل قسوته، كل عثراته، كل خوفنا منه… ولم نشكُ لأحد.

أمي علّمتنا أن نُبقي صورة أبي ناصعة أمام الناس، أن نكذب إن اضطررنا، أن ندّعي أنه “الأب المثالي”.

حتى بعد أن وقفنا معه وهو يتعافى… كان أول ما فعله أن تخلّى عنا.

كبرت وأنا أكذب على نفسي عنه.

أقنعت نفسي أنه أبٌ طيب وحنون.

كنت أقارنه بأسوأ الآباء لأراه أفضلهم… فقط لأشعر أني بخير.

وربما كان ذلك انعكاساً لصوت أمي، التي ظلّت تردد:

“أبوكم حنون… طيب… مسكين…”.

لكن يا أمي…

ذلك “الحنون” تركنا في بيت أحد الأقارب، وأنتِ تقاومين السرطان، بلا فلس واحد.

تركنا هناك، بينما يقيم في بيت عائلته، يجمع المال، ويسافر لينفقه على عشيقته!

هذا هو حنانك يا أبي؟

تلك الفترة… كانت الأصعب.

كنت طفلة… حملتُ الذلّ والإهانة والعوز على كتفي،

وأنت… كنت تستمتع في مكان آخر.

حتى أمي، كانت تحاول أن تبرر لك: “هو حزين، خسر ماله، وأنا مريضة… يريد أن يخفف عن نفسه”.

كنت أرى أمّي تتمزق أمامي بصمت… وأعجز عن إنقاذها.

سأكتب لاحقاً، كثيراً، عنك يا أبي.

لكن ماذا ترك غيابك في داخلي؟

جوعٌ عاطفي مزمن، يجعلني أتشبث بأي اهتمام عابر.

أتعب في محاولة إرضاء الجميع… أن يحبوني… أن يقدّروني… أن لا يتركوني.

لكني أخاف… أن أتمادى، أن أجرح، أن أُترك كما تركتني أنت.

لذلك صرت أحب في صمت… أحب وحدي، دون أن يعلم أحد.

أحمي نفسي من ظلّك الذي يطاردني.

وأعجز عن المضي أبعد من ذلك.

ربما شاركت اليوم الكثير… وربما أثقلت على القارئ.

لكني احتجت أن أكتب.

أن أقول شيئاً أخيراً قبل أن أنام.

وسأكتفي بهذا القدر… حتى إشعار آخر