لم أكن أعرف أن الحياة يمكن أن تسلبك قلبك وأنت تبتسم كنت أظن أني فهمت العالم وأن الوفاء بين الأصدقاء لا يمس وأن الحب إذا صدق لا يخذل لكنني كنت شابا غرا لا أجيد قراءة النوايا ولا أجيد حماية قلبي من الذين يعرفون كيف يجيدون الطعن بابتسامة
كنت أنا وهو رفيقين لا يفترقان عرفته في الجامعة تقاسمنا المقاعد والمحاضرات ضحكنا وبكينا أكلنا من صحن واحد ونمنا على فراش واحد في سفرنا وكنا نخطط لمستقبل واحد حتى كنت أقول له دائما لو لم أكن أنا لتمنيت أن أكون أنت
ولم يكن يقول شيئا يكتفي بنظرة عميقة وابتسامة حنونة لا تفسر
أما هي فكانت زهرة الوقت الهادئ في حياتي تلك الفتاة التي دخلت قلبي دون إذن ثم أقامت فيه منزلا وغيرت كل شيء دون أن تلمس شيئا كانت مختلفة ليست الأجمل لكنها الوحيدة التي شعرت معها أني مسموع مفهوم مرغوب كما أنا تعرفت عليها في فعالية ثقافية تبادلنا بعض الكتب ثم بدأت الكتابة لي وأكتب لها وأحببتها بصمت
لم أجرؤ على قولها ربما لخوفي من الرفض أو لأني كنت أريد أن أنضج أكثر أرتب حياتي أنتهي من دراستي وأعود إلى قريتي وفي يدي وعد وفي قلبي انتصار
لكن الزمن أسرع من خططي والقلوب لا تنتظر طويلا
وذات مساء عادي جلسنا نحن الثلاثة في مقهى الجامعة أنا وصديقي وهي كنا نتحدث عن شيء تافه لا أذكره كان قلبي يشتعل لكنه لا يحترق فقط يغلي في صمت وأنا أراقبه يمازحها يلمح إليها يضحك من أعماقه وهي تضحك معه بطريقة لم أكن قد رأيتها من قبل
كنت أبرر وأخدع نفسي وأقول هي أمانة عندي وهو أخي ولم أنتبه أن بعض الإخوة ينهشون لكن برفق
بعد تخرجنا افترقنا قليلا كل في طريقه لكن العلاقة بينهما كانت قد بدأت تنمو في الخفاء حتى جاءني ذات يوم بوجه منقع بالحيرة وقال لي وهو يضحك ضحكة مهزومة أنا تقدمت لها ووافقت
كانت لحظة صامتة تشبه صوت جنازة في قلبي لم أجد ما أقوله سحبني من يدي وضمني إلى صدره وقال والله ما كنت أعرف أنك تحبها ما قلت لي
وكنت أبكي لكن في داخلي في الخارج كنت أضحك
قلت له مبارك لك هي تستحقك وأنت تستحقها
ثم ذهبت ومن يومها أنا أتعلم أن أعيش وأنا أصفق لحبيبتي القديمة وهي تزف إلى صديقي القديم بينما أبتلع كل ما لم أقله وأبتسم
مرت سنوات تغيرت وجوه وتبدلت أماكن وانطفأت في قلبي تلك الشعلة الأولى أو هكذا ظننت عملت في مدينة بعيدة وانغمست في تفاصيل حياة جديدة حتى بدأت أصدق أن ما حدث كان مجرد ذكرى مؤلمة لكنها لا تنزف
إلى أن جاء اتصال رقم أعرفه لكني لم أتوقعه كان هو نفس الصديق بنفس صوته لكن نبرة مختلفة نبرة رجل ليس على ما يرام قال لي أحتاجك ولم يسألني إن كنت مشغولا أو بعيدا فقط قالها وجدت نفسي أرتب حقيبتي وأسافر إليه
وصلت إلى بيته استقبلني بملامح باهتة وعيون لا تشبهه جلسنا طويلا دون كلام ثم قال لي بهدوء انفصلنا
قلت من قال أنا وهي
كأن أحدهم سكب في وجهي ماء باردا لم أعرف هل أحزن هل أفرح هل أعاتب القدر هل أبتسم لنهاية لم أتوقعها
قال لي لم نكن لبعض ربما كنا نبحث عنك في بعضنا
أدركت حينها أن الحب لا ينجو إن لم يكن صادقا من البداية وأن الغصة لا تزول حين ترد لك الحياة بل تكبر
فجأة عدت أراها في كل شيء في الكتب القديمة في قهوتي في نوافذ الباصات لكني لم أعد ذاك الفتى العاطفي كبرت ونضجت
وذات يوم بينما كنت أرتب أوراقا قديمة وجدت رسالتها كانت تكتب لي أشياء لم أفهمها وقتها قالت أنت الوحيد الذي شعرت معه أني لا أحتاج أن أشرح نفسي
لكني لم أفعل شيئا تركت الرسالة مكانها
وفي طريقي إلى عملي التقيت وجها يشبهها لكنه ليس لها ابتسمت له ثم مضيت
لأول مرة شعرت أني أستطيع أن أحب من جديد لا لأن قلبي نسي بل لأنه غفر
هذه ليست قصة انتقام ولا قصة انتصار بل قصة إنسان أحب وخسر وغفر ومضى
وإلى اليوم ما زلت أردد
صديقي تزوج حبيبتي ثم فقدها وأنا فقدتهما معا لكنني ربحت نفسي
وهذا يكفي
التعليقات