14

المسجد جعلني أقل توحدًا وعزلة

لستُ هنا لأكتبَ منشورًا دينيًا عن فوائد صلاة الجماعة، والصلاة في بيت من بيوتات الله الذي أمر أن يُرفع فيها اسمه، ولن أتحدَّث عن أثر التقوى على حياتي، فقد يتكلَّم شيطان الغرور على لساني. أنا اليوم أتكلّم عن تفصيلة أخرى قد تهم الكثير من الناس هنا.

أتحدّث عن أهمية الصلاة في المسجد لاكتساب الحسِّ الاجتماعي.

أولم أخبركم؟ أنا فيَّ عرقٌ من التوحّد. لا أتبلَّه في المواقف الاجتماعية، أعرف كيف أتصرَّف وأتكلم حين يجدُّ الجد. لكنِّي أقلُّ مخلوقات هذه الأرض خروجًا من بيتي لغير أمر رسمي.

وإيه، بلغتُ من العمر 22 سنة وأنا لم أكن قبل ذلك في مسجد قط، إلّا مرّات تعدُّ على الأصابع في المناسبات حين يجرُّني بعض الأصدقاء. مرَّة في 2009 ذهبتُ لمسجد من المساجد أتعلَّم القرآن وتجويده، ثمَّ أنفجرت سيارة مفخخة كانت قد استهدفَت كنيسة بجوار الجامع، كان يومًا مشؤومًا استهدف الكنائس في المدينة، وشهدتُ فيه اشلاءً تتطاير لأوَّل مرّة. لا أعلمُ إرهابيين أغبياء كالذين عندنا في بغداد ذلك الزمان، ألم تعلموا أنَّكم حين تستهدفون النصارى، أن تتأكدوا من خلوا المنطقة من المسلمين في البداية؟ إيه أمزح! لا تستهدف أيِّ إنسان، لا تكن مجرمًا!

المهم، أظنُّ هذه الحادثة هي ما جعلتني أخشى دخول المساجد.

في الفترة الأخيرة غيَّرت هذه الطباع، أو بالأحرى هداني الله لتغييرها، فقدم عندنا ضيف اصطحبني إلى الجامع لنصلِّي معا، جامع يبعد عن بيتنا 60 متر، ولم أدخله منذ 2013!

أثناء تلك الصلاة، أحسستُ بجفائي، وقرّرتُ أن أصلِّي في ذلك الجامع على الدوام.

ومنذ ذلك اليوم ما فرّطتُ بصلاة الظهرين والمغرب والعشاء في ذلك الجامع، لا أظنّهم يقيمون صلاة الفجر ولم أتحقّق بعد، على العموم أخشى من كلب يعضّني حين أخرج فجرًا.

أقل توحدًا وعزلة.

بالنسبة لي املك أصدقاء، ويدعوني دائمًا إلى مناسبات وخروجات، لكنِّي مشهور عندهم أنِّي ألبّي واحدة من كل 10، وهذه النسبة زادت عندما كنتُ أتردّد على الجامع أكثر.

عندما تذهب للجامع، مرّتين إلى أربع مرّات في اليوم، فأنتَ تخرج من البيت، وتتعرَّض إلى جُرعة مُسيطر عليها من التعامل مع الواقع.

هذه الجرعة المسيطر عليها مفيدة جدًا، فهي تُشعر عقل من تعوَّد على البقاء في المنزل، أنّ الحياة في الخارج امتداد للبيت، وليست تغييرًا جذريًا عنه.

تتعوَّد شيئًا فشيئًا أن تضمّ مساحات أخرى إلى منطقة راحتك، بدلًا من المنزل فقط، فالطريق إلى المسجد، والمسجد نفسه.

ثمَّ بعد ذلك أنت في المسجد محاط بأناس يقيمون نفس الطقس العبادي، هذه جُرعة مُسيطر عليها من التعاملات الاجتماعية. فهي تنحصر بـ "تقبّل الله" وبعض العبارات المشابهة، وليس هناك ضغط كبير لتكون مبدعًا اجتماعيًا في تلك المواقف، ستسير كيفما يسير الناس.

أنت تتعرَّض لهذه الجُرع يوميًا من التعاملات الاجتماعية + التعامل مع الواقع، وهذا يجعل العقل الذي يميل للعزلة أقلُّ ميلًا لها، وأكثر تشجعًا للقفز على الفرصة التالية التي تظهر أمامه.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Beghjij أضف ردا

جميلة هذه التجربة و أحييك لأنّك التزمت أخيرا بارتياد المسجد، كما أنّك وضّحت جانبا مهما للصلاة جماعة و دورا بارزا للمسجد.

كثيرا ما أغار من الرجال لأنّهم يستطيعون الذهاب للمسجد 5 مرات كل يوم بينما نحن النساء لا، و لطالما أُعجبت بروح المسجد و روعة الصلاة جماعة. سبق لي أن ذهبت للمسجد خاصة عندما كنت أصغر قليلا حيث كنت أذهب مع جدتي لصلاة التراويح و كان ذلك يعجبني للغاية. ثم إنّ مجرد منظر المصلين حين يحين وقت الصلاة فيغادرون أعمالهم للالتحاق بالمسجد و منظرهم و هم عائدون لكفيل بخلق روح إيجابية في نفس أي شخص يتأمل دقائق الأمور، و لطالما أعجبني منظر أبي الذي يذهب للمسجد في كل وقت صلاة من ضمنها الفجر، و بالأخص يوم الجمعة حين يرتدي الجلباب الأبيض كغيره من الرجال و الصبيان ليذهب للصلاة، و لا أخفيك أنّه من المظاهر الجميلة التي حرمنا منها فترة كورونا لكن حمدا لله أنّها عادت. هذا أنا كمتفرجة ليس إلا و يخالجني هذا الشعور بالألفة، الطمأنينة، الإيجابية و الروح الجماعية فما بالك بالمصلين أنفسهم.

لكن بدأت للأسف تسفتحل ظاهرة سيئة في المساجد هذه الأيام خاصة في صفوف النساء حيث أصبحن يستغلن اجتماعهن هنالك للغيبة و تناول أعراض الناس و هو ما لا يتوافق على الإطلاق مع الأخلاق الإسلامية و يعتبر قلة احترام فظيعة للمكان المقدس الذي يحتويهن.

و لأستغل هذه المساهمة الجميلة لأسألك رأيك في ظاهرة منتشرة للغاية منذ زمن و هي اصطحاب الأطفال الصغار إلى المسجد و أنا أقصد من هم في سن الثالثة و ما شابه، هل ترى أنّ ذلك مساعدة لهم لتعود تلك الأجواء و النتهال هم أيضا من روح المسجد و قيمة الجماعة أم أنّه لا يغدو إزعاجا للمصلين إذ أنّ هؤلاء الأطفال لا ينفكون يلعبون و يصرخون أثناء تواجدهم في المسجد؟

و لأستغل هذه المساهمة الجميلة لأسألك رأيك في ظاهرة منتشرة للغاية منذ زمن و هي اصطحاب الأطفال الصغار إلى المسجد و أنا أقصد من هم في سن الثالثة و ما شابه، هل ترى أنّ ذلك مساعدة لهم لتعود تلك الأجواء و النتهال هم أيضا من روح المسجد و قيمة الجماعة أم أنّه لا يغدو إزعاجا للمصلين إذ أنّ هؤلاء الأطفال لا ينفكون يلعبون و يصرخون أثناء تواجدهم في المسجد؟

لا أمانع! فرسولنا (ص) كان يصعد فوق ظهره حينما يسجد الحسنان، ويُطيل السجود ويفرح لذلك! تدريب الأطفال على هذه المشاهد منذ الصغر مهم جدًا.

هذه جُرعة مُسيطر عليها من التعاملات الاجتماعية

هذه نقطة مهمة لكل شخص يميل للإنطوائية فعلًا يا حمزة. وقد جاءت فترة كورونا لتجعلها من المستحيلات علينا

فبدلًا من أن تذهب للجامعة وتقابل الزملاء وقد تتبادلون كلمة أو أثنين فأنت في منزلك بين أربعة حوائط وحتى إن ذهبت إلى أي مكان عام فأنت مغطى الوجه مبتعدًا مسافة كبيرة. السنتين الذين عانينا فيهم من تلك الفترة كانت كفيلة بالقضاء على بعض الاجتماعيات الخاص بأغلبنا.

لكن محاولة العودة بالتدريج عن طريق التعاملات الاجتماعية المسيطر عليها خطوة سليمة جدًا. خاصة إن كان الجامع قريبًا من منزلك ولا يتطلب قدرًا كبيرًا من المجهود والوقت.

بالنسبة لي فقد حاولت القيام بشيء مشابه عن طريق التقديم في الكثير من التدريبات ومحاولة الاختلاط ببعض الاشخاص أصحاب الوجهة المشتركة بشكل أكبر. وقد لمحت نتائج هذا الإيجابية عليَ أيضًا.

هذه نقطة مهمة لكل شخص يميل للإنطوائية فعلًا يا حمزة. وقد جاءت فترة كورونا لتجعلها من المستحيلات علينا

صواب رأي يا أمنية و أتفق معك؛ فالذهاب إلى المسجد يخرجنا من عزلتنا ويحببنا في التغلب على أنفسنا التي تحب العزلة بحجة أن لنا ثواب وأننا نرضي ربنا. غير ذلك وكما قال الأخ حمزة أن مجتمع المسجد ليس يتطلب كلاما كثيرا أو صخبا فالواحد منا يسير كما يسير الناس ومن هنا تنكسر عزلتنا شيئا فشيئا و نخرج من قوقعتنا و نألف العالم الخارجي. ولكن في هذا السياق يا أمنية هل ترين الانطواء مزيًة أم عيباً؟ وهل ترين الإنبساط كل الإنبساط و التواجد في كل مكان أعون على الذكاء الإجتماعي و معرفة كيف نتعامل مع الناس؟ كيف وجدت ذلك في مجتمع الجامعة لديك؟

ولكن في هذا السياق يا أمنية هل ترين الانطواء مزيًة أم عيباً؟

بالنسبة لي هو الأثنين. فالجلوس بمفردنا يساعد على فهم أنفسنا بشكل أكبر وترجمة مشاعرنا وكذلك شحن بطارياتنا الإجتماعية. وفي رأيي من لا يستطيع الجلوس وحده لن يستطيع التواصل جيدًا مع الناس.

ولكن الإجتماعية مفيدة أيضًا سواء في تلك الحالة التي تحتوي على تواصل بسيط أو حتى تواصل عميق بهدف التواصل ذاته أو الاستفادة أو المشاركة وخلافه.

بالنسبة لمجتمع الجامعة فما ميزه هو احتواءه على جميع أنماط التواصل فهناك الزملاء وهناك الأصدقاء وهناك المعارف فقط وهكذا.

أنت تتعرَّض لهذه الجُرع يوميًا من التعاملات الاجتماعية + التعامل مع الواقع، وهذا يجعل العقل الذي يميل للعزلة أقلُّ ميلًا لها، وأكثر تشجعًا للقفز على الفرصة التالية التي تظهر أمامه.

أُحييك أخي حمزة على تلك المبادرة و أشدً على يديك؛ فانا مثلك في تلك النقطة أو على الأقل كنت كذلك من سنين قليلة. فأنا أميل إلى العزلة و الإنطواء ولا أحب أن أجتمع كثيرا بالناس وأذكر في هذا الصدد قول أنيس منصور في أحد لقاءاته أو في كتاب" في صالون العقاد كانت لنا أيام" أنه قد يمكث في بيته شهور لا يفكر أن يغادره. فقط وفر له مشروب الشاي وبعض الكتب وهو لا يبرح بيته. فهو مثلك يا حمزة ومثلي ولكن هل ترى يا حمزة أن للإنطواء وحب التوحد درجات؟ ومتى يكون لا خطر فيه وبمعدله الطبيعي وظاهرة صحية تعين على الإبداع؟ و متى تكون ظاهرة سلبية ( قد تكون مرضية) لا تعين على شيئ؟

ولكن هل ترى يا حمزة أن للإنطواء وحب التوحد درجات؟ ومتى يكون لا خطر فيه وبمعدله الطبيعي وظاهرة صحية تعين على الإبداع؟ و متى تكون ظاهرة سلبية ( قد تكون مرضية) لا تعين على شيئ؟

لستُ خبيرًا لأجيب عن هذه الأسئلة تفصيلًا، لكن كتجربة شخصية: كل شيء في الاعتدال. لستُ راضيًا على نفسي حين أنعزل، سأحبُّ لنفسي أن أخرج أكثر وأختلط بهذا الناس أكثر.

المساهمة عبارة عن مزيجٌ من إضفاء الروحانيّات الجميلة مع لمس نطاق الإجتماعيات وهذا ما يفعله المسجد تحديدًا ..

الفترة التي كنت أحفظ فيها القرآن في الكُتّابِ في المسجد وأنا صغيرة ، أستطيعُ أن أجزم أنها كانت الأدفأ على الإطلاق، يوم الجمعة الذي نذهبُ فيه كـ نساء أحيانًا إلى الصلاة ( وسماع الخِطبة) يظل الاجمل من بين تواقيت اليوم، والتراويح التي ننتظرها بشوقٍ في رمضان ، لا تفشل أن تروي أرواحنا أبدًا، ما بالكم أنتم كـ رجال ؟ تاللّه فرصة عظيمة والموفق إليها مشمولٌ برضا ورحمات من اللّه.

أما عن الدوائر الاجتماعية، فيكفي المرء جمالًا أن يُحاط ولو بصحبة لمدة دقائق في هذه المواضع العظيمة ..

أدام الله عليك وعلينا نعمة الحفاظ على صلاة الجماعة.

لوهلة ظننت أن الكلام موجهة لي، أنا في نفس عمرك تقريبًا، ولدي نفس الميل إلى الإنطوائية وربما أشد، أعرف جيدًا شعور كل كلمة كُتبت، فلقد عشت نفس التجربة منذ فترة ليست بعيدة، وقد كانت الفترة الأجمل منذ أعوام!

والجميل في المسجد أنك تكون على طبيعتك تمامًا، غير مضطر نهائيًا لتتصنع شخصية غيرك، الانطوائي غالبًا ما يتصنع في المواقف الاجتماعية المختلفة حتى يستطيع التعامل مع الناس، ولكن في المسجد لا يحدث ذلك، يحدث تواصل اجتماعي بسيط ومريح، مجرد المصافحة باليد بعد الصلاة تشعرك بشعور جيد.

العلاقات التي تحدث بينك وبين الآخرين في المسجد هي من أجمل العلاقات، غالبًا لا تعرف اسم الطرف الآخر، ولكن عند رؤيتك له في المسجد تقوم بمصافحتة، أو حتى الابتسامة في وجهه إذا تقابلتهم صدفة في الطريق، ما أجمل وأنقى هذه العلاقات!

ولكن لدي سؤال صديقي حمزة، كشخص انطوائي كيف تحافظ على صلاة الجماعة؟ وكيف تتغلب على الصعوبة الشديدة لمجرد الخروج من البيت عند كل صلاة؟

والجميل في المسجد أنك تكون على طبيعتك تمامًا، غير مضطر نهائيًا لتتصنع شخصية غيرك، الانطوائي غالبًا ما يتصنع في المواقف الاجتماعية المختلفة حتى يستطيع التعامل مع الناس، ولكن في المسجد لا يحدث ذلك، يحدث تواصل اجتماعي بسيط ومريح، مجرد المصافحة باليد بعد الصلاة تشعرك بشعور جيد.
العلاقات التي تحدث بينك وبين الآخرين في المسجد هي من أجمل العلاقات، غالبًا لا تعرف اسم الطرف الآخر، ولكن عند رؤيتك له في المسجد تقوم بمصافحتة، أو حتى الابتسامة في وجهه إذا تقابلتهم صدفة في الطريق، ما أجمل وأنقى هذه العلاقات!

تعليقك جميل ودافئ :)

ولكن لدي سؤال صديقي حمزة، كشخص انطوائي كيف تحافظ على صلاة الجماعة؟ وكيف تتغلب على الصعوبة الشديدة لمجرد الخروج من البيت عند كل صلاة؟

صراحة أصبح امرًا سهلًا بعد أن ترسَّخ كعادة. الذي يساعد أنّ المسجد قريب، ولا أحاول أن ألبس أزياء مختلفة كثيرة عن ما أرتديه في منزلي. لعلَّ السر في أنّي أستطيع أن اكون هناك في دقيقتين فقط.