في أحد المواقف العجيبة، طلبت من طالب أن يجهز عرضًا بسيطًا عن موضوع دراسي، فجاءني في اليوم التالي ليقول: "أمي لم تساعدني، فتركت الموضوع كله"، وكأن المسؤولية أصبحت على الأهل لا على الطالب، والأغرب من ذلك أنني كثيرًا ما أجد في الواجبات المنزلية خط ولي الأمر واضحًا، فأشعر وكأنني أوجه المهمة للأهل لا للطالب، وهذا جعلني أتساءل: هل التكنولوجيا هي التي زرعت فيهم الاتكالية؟ أم أن تدخل الأهل المبالغ فيه وإن كان بنية المساعدة سلب أبناءهم حس المسؤولية؟ برأيكم من المسؤول الحقيقي؟
جيل اليوم لا يتحمل المسؤولية من السبب؟ الأهل أم التكنولوجيا؟
لا شك أن التكنولوجيا تحولنا جميعاً وليس فقط جيل الصغار إلى كائنات اعتمادية واتكالية، كما أنني من خلال دوائري المقربة أشعر أن الأهالي بدعوى حبهم وحرصهم على مصلحة أبنائهم وحرصهم على تقديم أفضل فرص تعليمية للصغار قد وقعوا في فخ ما يمكن أن نسميه الاهتمام الزائد الذي قد يمحي شخصية الطفل ليعتمد على الأهل في أبسط الأمور مثل الواجبات، الأمهات من حولي يتصرفن وكأنهن سيخوضن الامتحانات بأنفسهن، وسعيدات بالإجازات لأنهن من سيستريح.
ذكرتِيني بمشهد مضحك حدث مع إحدى قريباتي، كانت تكتب الواجب المدرسي بسرعة وتركيز بينما ابنها يغرق في نوم عميق بجانبها، وكأن الأم هي التي ستسلم الكراسة وتُحاسب على الدرجات، فعلاً بعض الأمهات يعشن العام الدراسي كأنهن الطالب الحقيقي، يتوترن قبل الامتحان، ويحتفلن بانتهاء العام وكأنهن خرجن للتو من لجنة الامتحان.
ذلك خطأ يقع فيه كثير من أولياء الأمور وقد رأيت ذلك من حولي يتكرر، حيث يهتم الأهل بأبنائهم لدرجة تدليل الأبناء وبالتالي إفسادهم، وعن قليل قد يرغب الأهل بدخول الامتحانات عوضاً من أبنائهم من كثرة اهتمامهم بهم.
يغيب عن الأهل حقيقة بسيطة، وهي أن كثرة الاهتمام والتدليل ينتج عنها جيل لا يستطيع مكافحة قسوة الحياة، بل العكس أن الأهالي الذين يقسون قليلاً على أبنائهم ويضغطون عليهم للكفاح من صغرهم، ينشأ هؤلاء الأبناء وقد اشتد عودهم، وأصبحوا يمتلكون عقول ونفسيات جاهزة لمغالبة صعاب الحياة.
الأمر بالفعل وصل أحيانًا لمرحلة يصطحب فيها بعض الأهالي أطفالهم إلى لجنة الامتحان، وكأنها رحلة عائلية، ولما تحاول الأم تترك طفلها وحده، يبدأ بالبكاء وكأنه يودع صديقه المفضل، فتعود لتجلس بجانبه وتحاول تساعده في الإجابة! طبعًا هذا كله بدافع الحب والحرص، لكن في النهاية يجعل الطفل يعتقد أن الحياة عبارة عن مسرحية تلعب فيها الأم دور البطولة، بينما هو مجرد جمهور يتلقى الدعم.
وما علاقة التكنولوجيا بالأمر هنا ؟ أنا أتفهم أن لها آثار سلبية للغاية ولكن ليس لها علاقة هنا برأيي.
أرى الأمر يعود لأخطاء تربية تظهر بوادرها الآن في أن الطفل أصبح اعتمادي عاجز عن مسؤولية نفسه ولن يلبيها إلا بمساعدة الآخرين، ويعود لنظام التعليم الذي لم يحفز الطفل كفاية ويحتويه، وهنا لم يملك الطفل دافع لأن ينفذ واجباته بنفسه، وبنفس الوقت اصبح همه أن يأتي بالواجب خوفاً من عقاب أو خصم درجات.
بالطبع هناك علاقة كبيرة بين التكنولوجيا وعدم قدرة الطالب على تحمّل المسؤولية، تخيل معي طالبًا يجلس ليلًا ونهارًا أمام الشاشة، يتنقل بين فيديوهات ترفيهية وألعاب وتطبيقات، فيعيش في عالم فوري وسهل، كل شيء فيه بضغطة زر حتى المعلومة لا يتعب نفسه في البحث عنها، فكيف له أن يصبر على حل واجب أو يستوعب فكرة "المذاكرة الجادة"؟ التكنولوجيا رغم فوائدها جعلت بعض الأبناء يعتادون الراحة الفورية لدرجة أن أبسط مسؤولية صارت تشعرهم بالإجهاد وكأنهم يصعدون جبلاً.
إذا كان الطالب صغيرًا في السن فالمشكلة لدى والديه في الغالب، أما إذا كان كبيرًا فتلك مشكلته أولًا قبل أهله، وفي كلتا الحالتين يبدو أنه قد تعود على تلقي المساعدة دائمًا أو على ألا يفعل شيئًا بمفرده من الأساس.
بعض أولياء الأمور يفرطون في مساعدة وحماية أطفالهم منذ سن صغير، حتى في اكتساب المهارات، فتجد الأم خائفة أن تتركه يتسند على للأثاث ليخطو خطواته الأولى مخافة أن يقع! وتخاف أن تتركه يمسك الملعقة ليأكل بمفرده حتى لا تتسخ ملابسه! فكيف ومتى سيتعلم إذًا؟! وهكذا يتعود الطفل منذ صغره على أن هناك من يساعده أو يفعل الأشياء نيابةً عنه ، وتتواصل تلك الأفعال حتى سن المدرسة، فتجدين الأم هي من تكتب الواجب نيابة عن طفلها لأنه لا يريد ذلك أو يجد صعوبة في فعله بمفرده أو لتريح رأسها ببساطة!
هذا الموقف يتكرر كثيرًا للأسف وهو يعكس أزمة تربوية عميقة تتعلق بخلط الأدوار بين الطفل وولي الأمر.
في رأيي التكنولوجيا قد تكون ساهمت في تعزيز الاعتماد لكنها ليست السبب الوحيد التدخل الزائد من الأهل حتى وإن كان بحسن نية قد يحرم الطفل من فرصته في النمو وتحمل المسؤولية.
أحيانًا الأهل يخافون على أبنائهم من الفشل فيتدخلون بدلاً منهم لكنهم لا يدركون أن هذا الفشل البسيط هو ما سيصنع منهم أفرادًا أقوى وأكثر اعتمادًا على النفس.
سؤالي هنا:
كيف يمكننا كأهل أو معلمين أن نوازن بين المساعدة والدعم وبين ترك مساحة للطفل ليجرب ويتعلم بنفسه؟ وهل هناك خطوات عملية تنصح بها لتشجيع حس المسؤولية عند الأطفال؟
الجميع مسؤول.
"الخير يخص والشر يعم"،المسؤولية تقع على عاتق الجميع و لا بد أن يتحمل الجميع ما آلت اليه السلبية و الاتكالية عند الأطفال و الجيل الجديد.
في المدرسة و خصوصا الخاصة منها، كل شيء جاهز حتى الامتحانات يتم وضعها على مستوى الطلبة حتى يحصلوا على أعلى الدرجات وأحيانا يقوك المدرس بمساعدة الطلاب في حل أسئلة الامتحانات.
في البيت، الأب و الأم ينجرون خلف التربية الحديثة وان الطفل يجب ان يفعل ما يريد وان يكون مستقلا و عنده رأي حتى يتحول إلى شيء غريب انطوائي لا يتعامل الإ مع الهاتف او الأيباد و لا يمكن ان يعتمد على نفسه بشيء.
التعليقات