هل مهارة حل المشكلات هي الهدف الأسمى من التعلم؟!

" أنا لست حاوية تودع في رأسي ما تشاء وتنصرف"!!!

ربما هذه الفكرة كانت البذرة التي انطلق منها برونر لاكتشاف نظريته الشهيرة في التعلم والتعليم.

النظرية تشبه النظريات البنائية من حيث الشكل الخارجي، حيث تعتمد وتقر بأن التعلم لا يمكن أن يتم بمجرد قيام المعلم بشحن رأس الطلبة بكم هائل من المعلومات المجردة.

"اكتساب الطالب للمعرفة لا يكون إلا بتفاعل حادث بين المعلومات الداخلة عن طريق المعلم وبين ما هو موجود بالفعل داخل عقله، هذا التفاعل يساعده على القيام بعملية التصنيف داخل عقله، بحيث تنضم المعلومة الجديدة إلى الفئة المشابهة لها داخل عقله، أو يتم إنشاء فئة جديدة"

الأمر أشبه بجهاز حاسوب، وأنت تريد أن تفرغ محتوى اسطوانة خارجية لتحفظ ما بداخلها على الحاسوب الشخصي، بطبيعة الحال ستلقي نظرة سريعة على المحتوى وتحاول أن توزعه بالشكل الأنسب، حيث ستضع الملفات الدينية مثلا في جانب، والملفات الثقافية في جانب، والملفات الكتابية في جانب وهكذا.

بالتطبيق على تعلم الأطفال مثلا، فالتعلم بحسب نظرية برونر لا يقتصر على أن يتعلم الطفل شكل المانجو مثلا أو خصائصها، بل من المفترض أن يساعده المعلم في اكتشاف التصنيف الخاص بها، حيث أنه من المفترض بعد دراسته لخصائصها أن يكون قادرا على تصنيفها في ذاكرته على أنه نوع من أنواع الفاكهة.

ما توصلت إليه من البحث حول هذه النظرية أن التصنيف ليس هدفا في ذاته، بل المطلوب هو تدريبه على مهارة حل المشكلات، حيث أنه باكتسابه القدرة على التصنيف بكفاءة عالية سيتمكن من تكوين المعرفة بسرعة أكبر لأنه سيستفيد منها بالشكل الأمثل، وبالتالي فإنه سيتمكن من تطوير مهارات حل المشكلات مستقبلا لأنه ببساطة سيتمكن من الإستفادة من المتاح لديه من معلومات.

يبدوا أن التعلم من وجهة نظر برونر يستهدف وبشكل رئيسي مهارات حل المشكلات، وربما يكون محقا في أنها أحد أهم المهارات التي يجب أن نكتسبها في مراحل التعليم الأساسية، إن لم تكن أهمها على الإطلاق!

في رأيكم؛ ما هي أهم إيجابيات وسلبيات هذه النظرية، وما هي طرق تطويرها؟

هل تعتقدون أن مهارة حل المشكلات يمكن أن تكون هي الغاية الأسمى من التعلم فعلا، وهل ساهم التعلم الأساسي في نمو تلك المهارة لديكم؟!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لن أناقش النظرية نفسها ولكن باعتباري طالب جامعي فأنا سأتحدث عن الهدف من التعليم من وجهة نظري.

يهدف التعليم إلى تنمية المهارات النفسية والعقلية للفرد، وليس اكتساب المعلومات، فأنا لست مهتما على الإطلاق بمعرفة أماكن نمو حشائش السافانا، أو بموعد هطول الامطار في نيجيريا، ولست مهتما بمعرفة أسماء الأسر الفرعونية أو معرفة الإسم العلمي لملح الطعام، ولكني أهتم أكثر بتعلم المهارات الحياتية والإجتماعية والأخلاقية مثل مهارات التواصل والإستثمار والتعامل مع المجتمع المحيط، أنا مهتم بتعلم مهارات التفكير والتحليل المنطقي والمهارات التقنية ومهارات البحث وحل المشكلات، وبالطبع إكتساب الثقافة الدينية الأساسية، هذا بالنسبة للتعليم الأساسي.

أما التعليم الجامعي فهذه قصة أخرى، فانا كطالب في كلية الهندسة وتحديدا هندسة الإتصالات لازلت أدرس نظريات إنقرضت من الوجود، أيعقل أنه في خلال 200 عام لم يتم تطوير قوانين كيرشوف!!

ناقشت هذا الأمر مع أحد أساتذتي في الكلية فكان رده أننا نعلمك الأساسيات، وكان ردي عليه "وهل البشرية مطالبة بإعادة إكتشاف الجاذبية كلما أردنا إرسال صاروخ للفضاء؟"

يمكنني القول أن معظم مهاراتي التقنية قمت بإكتسابها بشكل ذاتي في حين أن الشي الوحيد الذي استفدته من الجامعة هو كيية حساب التكامل المتعدد! لذلك ليس من الغريب أن تكون البلاد العربية خارج تصنيف التعليم أصلا

حسنا يا أحمد، اسمح لي أن أناقشك في كل ما ذكرت نقطة نقطة - أهتم أيضاً بأن نناقش أساس المساهمة من فضلك-

النقطة الأولى:

يهدف التعليم إلى تنمية المهارات النفسية والعقلية للفرد، وليس اكتساب المعلومات

يهدف التعليم في مراحل التعليم الأساسي لاكتساب المعلومات أولاً وأخيراً، نعم لديك كل الحق في رغبتك في أن يكون له دور في تنمية المهارات النفسية والعقلية - وهو أمر حادث لا محالة سواء كان بشكل إيجابي أو سلبي -

ولكن كيف يمكن أن نقول "نحن لا نرغب باكتساب أي معلومات"؟!

التطور النفسي والعقلي يمكن اكتسابه من أي مكان بسهولة، من مخالطتك للناجحين، للأسرة، للمجتمع بشكل عام، لكن من أين لك اكتساب المعلومات في هذه السن بدون المدرسة؟!

عدم وجود - معلومات - لن يؤهلنا حتى للإلتحاق بالجامعة والتي سأناقشها في نقطة منفصلة.

النقطة الثانية:

لست مهتما على الإطلاق بمعرفة أماكن نمو حشائش السافانا، أو بموعد هطول الامطار في نيجيريا، ولست مهتما بمعرفة أسماء الأسر الفرعونية أو معرفة الإسم العلمي لملح الطعام

لابد أن نفصل تماما بين ما نتعلمه وبين الهدف من وراء تعلمه!

بالمناسبة لقد تحدثت مع أحد أساتذتي في الجامعة عندما كنت في الفرقة الثانية حول هذا الأمر، وكانت لدي وجهة النظر ذاتها، أتذكر أني قلت له:

"أقسم لك يا أستاذ أنني لم أستفد شيئا من الدراسات الإجتماعية سوى أنها قد أضرت بترتيبي العام في المرحلة الإعدادية بعدما حصلت على درجة النجاح بالكاد، لم أشعر يوما أنني في حاجة لمعرفة موطن حشائش السافانا، أنا لن أسافر أصلاً"

وكان جوابه:

أولا أنت تفترض أن المعلومة المجردة لن تستفيد بها، وهذا غير صحيح بالمرة، فكل شئ تتعلمه لابد وأن تجد أثره في نفسك وحياتك مهما طالت الأيام، هذا من ناحية،

من ناحية أخرى، عليك أن تدرك مفهوم "تكامل العلوم"

حتى ولو لم تستفد بشكل مباشر من الجغرافيا أو التاريخ أو غيرهما، فإن دراسة الفنون المختلفة تساهم بشكل مباشر في تنشيط جزء معين من المخ، كلما اتسعت رقعة المعارف المختلفة من فنون مختلفة كلما كان نشاط المخ أفضل وقدراته أعلى من غيره.

لذلك كانت الثقافة هي معرفة كل شيء عن شيء ومعرفة شيء عن كل شيء!

النقطة الثالثة:

أما التعليم الجامعي فهذه قصة أخرى، فانا كطالب في كلية الهندسة وتحديدا هندسة الإتصالات لازلت أدرس نظريات إنقرضت من الوجود، أيعقل أنه في خلال 200 عام لم يتم تطوير قوانين كيرشوف!!

ستستشعر قيمة ذلك عندما تقع في مشاكل العمل، وتكتشف أنك في حاجة ماسة لفهم أساس هذا الأمر منذ البداية، تعلمك للأساسيات التي بُني عليه العلم الحالي أمر ستضطر إليه لا محالة، وبالمناسبة هذا هو الذي يصنع الفارق بين الطالب الجامعي وغيره!

لا يخفى عليك أن مجالاتنا الهندسية بشكل عام يمكن تعلمها بشكل مستقل ودون الحاجة للجامعة، ولكن ما يعطيك التميز كطالب جامعي، هو أنك قادر على فهم أصول ما تمارسه بشكل عملي، وقدرتك على الرجوع لأصل المشكلة والعمل على حلها، وهذا يفسر أن بعض الوظائف البرمجية مثلاً تشترط وجود مهندس حاسبات على رأس الفريق، فالمبرمج الحر لن يتعلم ما تعلمه المتخصص على مدار سنوات - وإن كان من الممكن أن يتفوق عليه عمليا -

جواب أستاذك وإن كان محبطا، إلا أنه يحمل في طياته الكثير من الحق، فإذا كان هناك أمور يمكن لأي شخص تعلمها إذا أراد، فلماذا أشغل نفسي بها، الأفضل أن أعلمك ما لا تستطيع تعلمه بالخارج وحدك!

"وهل البشرية مطالبة بإعادة إكتشاف الجاذبية كلما أردنا إرسال صاروخ للفضاء؟"

عندما يتعطل الصاروخ، سيبحث العلماء في كتب وقوانين ما قبل الجاذبية يا صديقي!

قدرتك على صناعة الصاروخ ومهاراتك في فكه وتركيبه لن تفيدك في شئ وقتها.

أعتذر عن الإطالة ولكنني أحببت أن أفصل قدر الإمكان لأهمية ما طرح في تعليقك يا صديقي العزيز ⁦^_^⁩

أتفق ولا أتفق معك حقيقة أ.محمد

أتفق نعك في أن برنور اهتم باستراتيجية حل المشكلات، حيث انه ينظر للموقف التعليمي على أنه موقف استقصائي يسعى فيه المتعلم لإيجاد حلول لمشاكل تواجهه، و لكني لا أتفق معك في أن برونر جعل من هذه الطريقة أساسًا لنظريته.

نظرية برونر أو نظرية التعلم بالاكتشاف ومن هنا يتضح لنا ان برونر ركز في نظريته على التعلم بالاكتشاف، و هناك فارق كبير ما بين التعلم بالإكتشاف و التعلم عن طريق حل المشكلات عزيزي .

ركز برونر في نظريته على مدى أهمية تفاعل المتعلم مع ما يوجد حوله من أشياء تساعده في عملية التعلم ولا تهتم بالنتائج المكتشفة وإنما تهتم بالعمليات العقلية و الأفعال التي يقوم بها المتعلم لتؤدي إلى النتائج .

بالنسبة لإيجابيات هذه النظرية فمن وجهة نظري أرى أنها قدمت منهج جديد فيما يسمى المنهج الحلزونى واهتمت بعملتي التعزيز والتقويم والعمليات العقلية التي تتم لاكتشاف المعلومات وايس النتائج ومن المؤكد أنها راعت المستويات العقلية للمتعلم، أما بالنسبة لسلبياتها أنها ركزت على العمليات التي تتم في اكتشاف المعلومات و أهملت النواتج و قد يواجه المتعلم صعوبات في الموقف التعليمي تؤثر على عملية التعلم بالإكتشاف، هل تؤيدني في ذلك أ.محمد؟ هل لك إضافات أخرى؟

ومن هنا يتضح لنا ان برونر ركز في نظريته على التعلم بالاكتشاف، و هناك فارق كبير ما بين التعلم بالإكتشاف و التعلم عن طريق حل المشكلات عزيزي .

ومن قال غير ذلك؟!

جل ما قلته أنه ينمي مهارة حل المشكلات، لم أقل أبدا أنه يتعلم عن طريق حل المشكلات!

بالنسبة للسلبيات المطروحة، ربما يواجه البعض صعوبة فعلا كما تفضلت بالذكر، ولكن كيف نقول أنه أهمل النتائج، في اعتقادي أن النتائج هي أحد أهم أركان النظرية:

فالتعلم بحسب نظرية برونر لا يقتصر على أن يتعلم الطفل شكل المانجو مثلا أو خصائصها، بل من المفترض أن يساعده المعلم في اكتشاف التصنيف الخاص بها، حيث أنه من المفترض بعد دراسته لخصائصها أن يكون قادرا على تصنيفها في ذاكرته على أنه نوع من أنواع الفاكهة.

ألا تعد قدرة الطالب على الوصول لتصنيف محدد اهتمام مباشر بالنتائج، وإلا فكيف نقول أنها تنمي مهارة حل المشكلات، هل يمكن حل أي مشكلة دون نتائج؟!

التعليم له مراحل أساسية وثانوية ومتقدمة

وكل مرحلة تهدف لتحقيق هدف ما يكن اعتبارها مشكلة

كل وظيفة في هذه الدنيا هي حل لمشكلة,

الطبيب يحل المشاكل الصحية
المحامي يحل المشاكل القانونية
مطور البرامج يحل مشاكل تقنية برمجية

ويمكنك تطبيق هذه القاعدة على كل الوظائف

فالتعليم يجب أن يدرب على كيفية حل كل من هذه المشكلات المختلفة

وأما عن التعليم الأساسي فهو أيضا يدريب على مهارات حل مشاكل رئيسة في المجتمع مثل التواصل والأخلاق والحساب وغيرها

إذا فأنت تتفق مع النظرية يا عمار، هل تعتقد أننا بالفعل قد تعلمنا على أساس النظرية في مدارسنا وجامعاتنا، وما الذي يحتاجه التعليم حاليا للوصول لهذه الدرجة من وجهة نظرك؟

غالبا التعليم عندنا يتجه فقط للتلقين والتعبئة التي تفرغها في الاختبارات

فلو كان التعليم يركز على التطبيق والممارسة بشكل أكبر ويكون جزء كبير من التقييم عليه

فسيكون أفضل بكل تأكيد

فيمكن أن يتم تدريب الطلاب بشكل ورش عمل أو مشاريع يقومون بتنفيذها ,

وأتذكر جيدا أن عندما استعملت تلك الوسائل معنا أثرت فينا كثيرا ولا زال التأثير حتى اليوم

ولكن في المقابل فإن الحصيلة المعرفية البسيطة لن تجعلنا مؤهلين إلا لأمور محدودة، أي إنها تحد من فرصنا في الحياة بشكل عام!

كلها حصيلة عليمة ولكن باساليب مختلفة

هذا صحيح، ولكن هناك حصيلة تؤهلني لفرصتين فقط في سوق العمل، وهناك حصيلة تفتح لي المزيد من الأبواب!

كما يقولون: "ما لا يدرك كله لا يترك جله"!

الكم الهائل من المعارف المتاحة حالياً يجعل من المستحيل الإلمام بكل شئ بالطريقة ذاتها التي تفضلت بذكرها، لذلك فلماذا لا نجمع بين الأمرين؟!

بل إن تعلمنا لبعض النظريات نظريا فقط، واستخدام بعضها لتوضيح طريقة الإستفادة من النظرية المجردة في الجانب العملي هو تطوير مباشر لمهارة حل المشكلات، وهو ما نصبوا إليه.

أهلًا محمد.

ما كتبت جميل ومترابط، لدي وجهة نظر مختلفة قليًلا.

أنا أدعم تلك النظرية والرؤية في أيام كنت أنا وأنت والغالبية هنا طلابًا. كان جهد الحصول على المعرفة أضعاف الآن بحيث يكون فوق طاقتنا، ولهذا إعتمدنا عن ما مضى قُدمًا قبلنا لتحصيلها. وكان هو المعلم وكانت وظيفته حينها " التلقين".

كانت المعرفة حينها مشروبة، إن شئت القول، خالية من أي شوائب من الشك.

الآن ، في هذا العصر، الأمر أسهل بكثير كإتاحة. هذه ميزة لا يمكن نكرانها، لكن ما يجب نكرانه هو بقاء المعلمين يقومون بنفس المهمة والتي استمرت عقود طويلة، أعتي التلقين، فلقد تعددت مصادر المعلومات ووجب على المعلم تعيينه على دور أساسي جديد: " الإرشاد والتوجيه" وهذا ما يسمى بالتعليم التفاعلي.

حسنا يا عمر، ما تقوله جيد وهناك نظريات تؤيده بالفعل ولكن بحسب النظرية التي هي محل الدراسة والبحث، فالتوجيه وحده لا يكفي، التوجيه لن يكسبك المهارة، ولن يساعدك على مواجهة مشاكلك وتعلم طرق مختلفة للحل!!

" الإرشاد والتوجيه" وهذا ما يسمى بالتعليم التفاعلي.

التعليم التفاعلي لا يقتصر على التوجيه، جلسات الأسئلة والأجوبة، العصف الذهني، التدريبات العملية، العروض التقديمية، النشاطات المختلفة التي تتضمن تفاعلا من الطالب كلها تدخل تحت هذا الإطار.

وبالنظر لهذا المفهوم العام للتعليم التفاعلي فإنه سيؤدي بالأخير لاكتساب مهارات حل المشكلات!

ألا تتفق معي في ذلك؟!

أختلف معك محمد، فربما هناك طرق أفضل لاكتساب المهارات، لكن ليس من ضمنهم " التلقين" ومشتقاته من الأساليب المملة، فالمعلم كما أرى إما ملقن أو موجه، أو خالط بينهم. لسبب بسيط، لأنه كان مستخدمًا لمدة طويلة من الزمن وثماره كانت رديئة جدًا، وليست غائبة عن رؤيتنا.

في أيامنا كان التلقين هدفاً في حد ذاته، كان المعلم يعتقد أن مهمته قد انتهت بحدوث التلقين نفسه، لذلك فقد خلق ذلك في نفوسنا أثرا سيئا للغاية.

أما في نظرية برونر - وغيرها - فالتلقين هو مرحلة من مراحل التعليم، وهذا أمر منطقي.

هل تعتقد أننا يمكن أن نتعلم بدون تلقين نهائيا؟!

نعم، وهذا ما يحدث الآن في هذا العصر ويؤتي بنتائج جيدة في فنلندا وسنغافورة . إن كان المعلم هو مصدر المعلومة فهناك خطب ما في رؤيتنا عن المدرسة.

المعلم ليس هو المصدر الوحيد للمعلومة، ولكنه يظل أحد مصادرها بكل تأكيد!

انعدام التلقين في كل مراحل التعليم أمر مستحيل عقلا، وأبسط الأدلة على ذلك أن كل نظريات التعلم والتعليم المختلفة، لم تهمل التلقين بالكلية، ولكنها أعطت له دورا محددا في العملية التعليمية ككل.

أما عن فنلندا مثلاً، فمن القائل بأنها ألغت التلقين بصورة نهائية؟!

حسب علمي أن التطور في التعليم هناك شمل كل شئ، بداية من النظام نفسه كعدم وجود إختبارات على مدار التعلم الأساسي - ٩ سنوات على ما أتذكر - وعدم السماح لأحد بالخوض في مجال التعليم إلا بعد حصوله على برامج دراسات عليا متخصصة ومهنية ..... وغير ذلك من الأمور التي لا داعي للخوض فيها الآن.

ليس معنى أننا كرهنا التلقين بسبب الطريقة التي تعلمنا بها أن نرفضه بالكلية يا صديقي!

إن النظم التعليمية في عالمنا العربي للأسف لا تتوافق مع أي نظم تعليمية عالمية تعمل على إثارة الذاكرة، حيث أنني أجد أن النظام الإثرائي أو التعليمي يجب أن يعمل على تحفيز الإدراك الواعي واستثارة الذاكرة بشكل غير مباشر، وذلك دون الاعتماد على مجموعة من المفاهيم التي لا تتمثّل إلا في تخزين المعلومات بشكلٍ آليٍ. والأزمة في رأيي تكمن في أن طرق تناول المناهج التعليمية من الأساس تعتمد على ذلك السلوك من خلال تخزين القدر الكافي من المعلومات، ونظم الاختبار التي تمارسها وتعتمدها معظم المؤسسات التعليمية العربية تعتمد على ذلك الأسلوب التخزيني للمعلومات، وتقلل بشدة من أهم مناهج التدرّب والتعايش.

إذا فأنت ضمنياً تتفق مع ما طرحه برونر في نظريته.

ولكن هل يمكن التسليم بالفعل بأن مهارات تعلم المشكلات هي الغاية الأسمى، بل أهم من الحصيلة المعرفية نفسها؟!

أرى أن اكتساب المهارات بشكل عام هو الغاية الأسمى، وذلك بالنسبة إلي يتخطى أهمية الحصيلة المعرفية، حيث أن اكتساب مهارات مثل حل المشكلات والعمل داخل الفريق وإدارة الأزمات والابتكار في المجال المعرفي قيد الدراسة.. كلها مهارات لها الأهمية القصوى في سوق العمل، ولها الأولوية على التحصيل المصمت الذي لا يعتمد على تطور أيٍّ من مدارك الدارسين.

حيث أنه من المفترض بعد دراسته لخصائصها أن يكون قادرا على تصنيفها في ذاكرته على أنه نوع من أنواع الفاكهة.

لم أفهم جزئية التصنيف، عادة عندما أقوم بتعليم ابنتي حول المانجو، فأنا أبحث عن كتاب للفاكهة وأريها شكل المانجو، وأشتري لها مانجو لتربط الطعم بالشكل بالاسم، وكتصنيف، الكتاب يحتوي على أنواع فواكه.

كيف أجعلها هي من تحدد التصنيف، فأول شيء أقوله لها، هذه فاكهة مانجو!

من ناحية أخرى، عندما ترتب معها زوجتى ألعابها، تحاول أن تجعلها تضع كل قطع اللعبة الواحدة في نفس العلبة، لتصنيف الألعاب، وأرى ذلك خطوة مهمة مهما بدت بسيطة، لتوجيهها لفكرة وجد تصنيفات.

هل أصبت فيما قلت، أم أنني لا أفهم فكرة معينة؟

أول شيء أقوله لها، هذه فاكهة مانجو

هذا هو التلقين الذي يرفضه برونر، ولكن تأكل معي ذلك:

في البداية تمسك بالمانجو - بفرض أنها لا تعلم ما هو سابقاً -

تحاول تمييز شكله الخارجي وتركيبه وخصائصه، وما هي العوامل المشتركة بينه وبين ما تعرفه مسبقاً، ويكون ذلك إما بشكل فردي من تلقاء نفسها دون تدخل في حال كانت كبيرة نسبيا، أو بأسئلة مساعدة في حال كانت لا تزال صغيرة:

هل تعرفين أشياء مشابهة له سواء أكبر أو أصغر؟

وأساعدها في الإجابة ودعها تتخيل كما تريد، ولنفرض أن الجواب.. الفلفل ولكنه أصغر، قرع العسل ولكنه أكبر

ثم نطلب منها تصنيف ما ذكرته من أمثله

هل تعرفين أشياء لها نفس اللون؟

نعم الليمون، فلفل الألوان، التفاح، العنب، المشمش.....إلخ

ثم نطلب منها تصنيف ما ذكرته من أمثله

هل تعرفين أشياء مشابهة لها بذرة واحدة؟

نعم البرقوق، المشمش، ... إلخ

ثم نطلب منها تصنيف ما ذكرته من أمثله

هل يمكن أن نقطعها بأيدينا فقط أم نحتاج لسكين؟

لا أستطيع أن أقطعه بيدي، كما يمكنني أن أفعل ذلك بالسكين.

ثم نطلب منها تصنيف ما ذكرته من أمثله

هل يمكن أن نأكله مباشرة أم يجب علينا أن نطهوه أولاً؟

ثم نبدأ بتذوقه لتكتشف بنفسها أنه لا يحتاج للطهي.

---

وهكذا أسئلة تجعلها تقترب من الإجابة بنفسها، وتجعلها تختار التصنيف الأقرب بحسب ما تعلمته مسبقا عن خصائص كل تصنيف.

وبالتبعية هذا يساهم في تدريبها على تلك المهارة والتي تتبع مهارات حل المشكلات.

هل اتضحت الفكرة الآن، وما رأيك فيها وفي فاعليتها؟

نعم اتضحت الفكرة الآن، وبمجرد تخيلها أعتقد أنها فعالة جدًا، ولكن مع سن متجاوب ويتكلم، ولكن ابنتي تبلغ سنة ونصف فقط، تحتاج في البداية إلى مهل مات بسيطة كاسم الفاكهة أو لونها، حتى تتمكن من نطقها أولًا، ومن ثم أستطيع استخدام هذه الاستراتيجية معها.

ألا تعتقد ذلك!

التعلم له غايات أخرى غير مهارة حل المشكلات، وهذه الأخيرة تعتبر الأبرز لأنه مع اكتسابها نحن نهيئ شخصا فاعلا في المجتمع. في اعتقادي الشخصي أظن أن أكثر شيء يجب أن نركز عليه هو التعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة. هذا سيجعل من المتعلم شخصا ناجحا في جميع مناحي حياته. وهذه هي الغاية الأسمى التي يجب السعي وراءها.

هل التعلم الذاتي وحده كافيا لصناعة متعلم حقيقي؟!

ولماذا تعتبرين أن له أفضلية على مهارة حل المشكلات، أود أن أتعرف على وجهة نظرك بعمق أكبر؟!

التعلم الذاتي أفضل ما يمكن أن نحث عليه المتعلم. تخيل أن يمضي كل وقته وهو يعلم نفسه بنفسه. أن تغمره تلك الرغبة الجامحة في التعلم. لاشيء سيستطيع إيقاف فضوله التعلمي. وبالتالي سيحسن من قدراته ومهاراته في البحث والتحصيل.

  • حذف بواسطة المستخدم