عندما ننظر الى الاجيال الثلاثة المذكورة، خصوصا في المناطق العربية المتوترة كسوريا، مصر، العراق، ليبيا، واليمن، سنجد الكثير من الاختلافات بين شخصين ربما ولدا في نفس العائلة، وعاشا نفس الظروف تماماً... اختلافات جذرية انطلاقا من الروحانيات ووصولا الى طريقة التفكير والعيش...

كل ذلك يشكل ثغرة بين جيلين كان من المفترض ان يتعلم احدهما من الاخر، ليصبح الامر اشبه بتواصل بين شخصين لكل منهما لغة مختلفة، ووطن مختلف.

ربما هذه هي الحال في اغلب الاوفات، اللغة المختلفة والوطن المختلف اقصد، لان الكثير من الجيل المشؤوم في التسعينيات قد اختار الرحيل "كما فعلت" والبدء من جديد في وطن جديد ومع لغة جديدة

لكل من هؤلاء الاجيال الثلاثة صفاته المميزة، ومن سبقهم من الاجيال من الممكن وصفها وتطبيعها بصفة واحدة، تظهر الكم الهائل من التغييرات التي حصلت بين الجيل ما قبل الثمانينات، وذلك ما بعدها تماما، وبعدها بعشرة اعوام، وبعدها بعشرين عاما.


العجزة من ما قبل الثمانين

واعتذر لاستخدامي لكلمة العجزة، قد تزعج بعض الناس... ولكن ما قصدت منها سوى المزاح

  • تقريبا جميع من ولدوا قبل الثمانينات عاشوا حياتهم بشكل طبيعي، على الستاندرات العربية

دراسة، خدمة العلم، عمل، زواج، اربع او خمس اطفال، تقاعد مبكر... وجلوس في المنزل

  • ليتفاجأوا فقط بالشباب يخربون عليهم اجازتهم الفارهة باصواتهم... اضف الى ذلك التوترات في المنطقة والشحنات الكهربائية التي تفرغت في اجساد الجميع، واولهم هؤلاء

  • غالبا بين هذا الجيل والاجيال اللاحقة علاقة كره، الا ما رحم ربي من البعض الواعي الذي يتفهم ما يحصل من حوله، ويفهم انه ليس الوحيد الذي يعيش على هذه الارض

  • قبل الاحداث المتوترة في الوطن العربي كان هؤلاء يعيشون في عالم مثالي من الاخلاق، دروس الدين، والعبر والمواعظ التي يلقونها في كل مكان يمنة ويسرة - ليصبحوا فقط بعدها مسوخاً تنهش اللحم "الا ما رحم ربي" وتنتظر الفرصة فقط لتغدر زمائلها

  • مفاهيم الكرامة، العزة، الحرية، الفخر، الانفتاح، الحب، العمل... كلها مختلفة مما لدينا عما لديهم... لا تتوقع انك ستستطيع اقناع احد هؤلاء بان العمل هو فقط طريق لتحقيق احلامك... فهو لم يعش مثل هذه الحالة قط

هم فقط كانوا يعيشون، كسرت عليهم معيشتهم، فاصبحوا يكافحون للبقاء

هم نفسهم اولائك الذين صدعوا رؤوسنا انهم عاشوا حربين، مجاعة، وانقطاع الكهرباء الكلي


الشباب الواعي من الثمانينات

واعتذر مجددا، لان كلمة الواعي هنا جائت بمعنى ساخر بحت...

  • الا ما ندر، شباب الثمانينات هم عبارة عن defect "بضاعة معطوبة" لم تلحق ان تكون في الجيل اللاحق، ولم تلحق ان تكون في الجيل السابق

  • غالبا هؤلاء اكثر تفتحا من الجيل السابق، ولكن هذا لا يعني انهم متفتحون بالمجمل... ستجد ما لا يقل عن نصف من تقابلهم في حياتك من هذا الجيل، متطرفين "يمينيين ويساريين" واصحاب العقليات الحذائية التي لا يمكن نقاشها

  • الثغرة الشاسعة بين ابناء هذا الجيل نفسه تجعلك تستغرب من نفسك... البعض مثقفون لدرجة غير منطقية... منفتحون لدرجة غير معقولة... غير معقولة لسبب وحيد: ستعلمه عندما ترى البعض الاخر ينتمون لتنظيمات متطرفة او جماعات اقل ما يقال عنها انها تخريبية "وكلمة تخريبية مجاملة"

  • المحزن حقا ان ابناء هذا الجيل لم يجدوا الوقت الكافي ليستمتعوا بحياتهم كما فعل الاولون... ولم يولدوا في الجيل اللاحق الذي وعي الحياة وفيه خازوق من ذهب... فاعتاد وجوده ولم يمانع

تجد احدهم ترك دراسته في السنة الاخيرة قبل التخرج... والاخر فقد حياته قبل لحظات من زواجه... الاخر فقدها وهو يستلم شهادة تخرجه من الجامعة، والاخر لا يعلم وراء الساتر الترابي الذي يحارب منه شيئا... وهلم جر من القصص المؤسفة عن الناس الذين فقدوا مستقبلهم في اخر لحظة


التسعينيات السعيدة

اعتقد ان استخدامي للعناوين الساخرة اصبح واضحا

  • ادعو جيل التسعينات شخصيا "والذي لحسن حظي ولدت فيه" انه جيل الخازوق الذهبي... مهما بدا بشعاً هذا القول فانه ليس بنصف بشاعة ما حصل مع هذا الجيل

  • وعينا على هذه الحياة وهي في خراب... اتدري، حرب العراق، ما يحصل في الوطن العربي الان، الخدمات الانسانية السيئة، لا انترنت، لا ماء، لا كهرباء... لا مال... يعني، هذه الاشياء البسيطة التي عاشها من يسبقنا

  • المفاجئ في الامر ان الجيل يتقبل الموضوع بكل رحابة صدر... لم اجد شخصا من التسعينات "وانا اعرف الكثير منهم، صدقوني اعرف الكثير" يتذمر مما يحصل له... بل اعتقد انني اكثرهم تذمرا.

  • في هذا الجيل هناك انواع من الناس... الذين استوعبوا انهم يعيشون العصر الخازوقي، ويستمرون في العيش فيه محاولين الخروج، اما عن طريق السفر او عن طريق الانجاز في حياتهم باساليب مختلفة... اخرين استوعبوا انهم في العصر الخازوقي ولكن يعيشون حالة الانكار... تراهم يحاولون بكل طاقتهم عيش الحياة الطبيعية دون جدوى... واخرون لم يفهموا بعد الحال التي يعيشونها... هؤلاء من يستحقون الشفقة حقا

  • لن تجد شخصا ولد في التسعينيات الا ولديه من القصص الحقيقية ما يجعل شعرك يتساقط "شعري يتساقط فعلاً"... والممتع في الامر انه من كثرة هذه القصص لم اعد اهتم حقا بقصص احد... فالامر طبيعي، كثرة العرض وقلة الطلب

هذا هو الجيل الذي يعيش الوقت الحالي بالطريقة الصحيحة... وهو ما يحزنك ان فكرت فيه جيدا


اطفال ما بعد الطوفان

  • هؤلاء هم من خسروا كل شيء تقريبا... التعليم، الثقافة، الاخلاق... واكتسبوا تجارب حياتية تكفيهم عن خمسين سنة الى الامام، وستجعلهم كائنات شرسة لا تعرف الرحمة في المستقبل

  • انا مؤمن تماما باهمية تعليم الشدة للاطفال، كي لا يكبر ابنك ضعيفا في مجتمع مثل هذا... ولكن ان تجد طفلا في الثانية عشر مستعدا لاطلاق النار على شخص ما لا يعرفه... هنا تبدا المصيبة

  • عندما يتعرض طفل بهذا العمر الى فكر متطرف، ايا كان هذا الفكر، فان النتيجة ستكون محتومة مستقبلا... جيل كامل من الوحوش التي لا تملك منطقا سوى القتل، السرقة، الفساد، الكذب، الرشوة

  • مهما حاولت ان تقنع نفسك ان هذا الجيل من الممكن اصلاحه، تاكد تماما ان من ربته الحرب لن ينسى تربيتها... ومن رباه الشارع لن يستطيع البيت احتواءه


ربما للبعض كل ما ذكرته هو مجرد مبالغات... او ربما تهويل للموقف... ولكن كنت اتمنى ذلك... في كل سطر كتبته من هذا الموضوع فكرت وقرأت السطر عدة مرات، ولكن لا فائدة... هذه هي الحقيقة، وهذا ما رايته

كنت اتمنى غير ذلك حقا

الامل في المستقبل يبقى معلقا على ان يستيقظ الجميع بشكل او باخر، وتبدا الحياة من جديد


كل ما ذكر في الموضوع السابق هو من تجربتي في الحياة، التي لم تتعدى الخمس سنوات هي التي كنت فيها واعيا لما يدور حولي، اول ما اتذكره في حياتي هو الحرق والزجاجات الحارقة، واتمنى الا يكون هذا اخر ما اراه ايضا... ربما الوضع مختلف في دول اخرى ولكن على الاقل هكذا هو في بلدي