السياسة الخبيثة وراء المينماليزم!

يومًا ما قبل سنوات، في بيوتنا القديمة كانت ملابسنا، وشوارعنا وحتى الأثاث والجدران مليئة بالألوان والزخارف والتفاصيل التي تشعرنا أن لها شخصية وروح.

أمّا اليوم، فجأة وبدون مقدمات، صار الاتجاه العصري نحو كل شيء "سادة"؛ الجدران بيضاء أو رمادية، الأثاث عبارة عن مربعات خشبية صماء، والمباني متشابهة...

يقولون لنا إننا كلما مِلنا لهذا الاتجاه كنا أقرب للعصرية "المودرن"، وإنّ هذا هو الرقي والبساطة، لكن ألا تشعرون أننا فقدنا شيئًا من هويتنا حقًا تحت مُسمى "المينماليزم"؟

البعض يعتقدون أنّ هذا التوجه الذي يسمونه "مينماليزم" يبدو وكأنه يحاول ترويضنا نفسيًا لنقبل بالقليل ولنعيش في فراغ. في الماضي كانت القطعة الواحدة تُصنع يدويًا بِحُب ومليئة بالتفاصيل وتعيش لعقود، أما الآن فكل شيء بارد، ويشبه غرف المستشفيات.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ربما يرى البعض - ومنهم أنا- الراحة والهدوء النفسي في ماهو "سادة" في بعض المقتنيات...أو التقليل عموماً من الأثاث الموضوع -وهو مايدعو له المينمالزم أيضاً-.

لكن المشكلة تكمن أن يتبع الفرد هذا الاتجاه لمجرد اعتقاده أن هذا هو "المودرن" في حين أن يكون هو شخصياً يحب الزخارف والتي بالفعل قد تعبر عن الهوية والتراث.

raghd_agaafar أضف ردا
ربما يرى البعض - ومنهم أنا- الراحة والهدوء النفسي في ماهو "سادة" في بعض المقتنيات

أنا كنت مثلك أعشق السادة في كل شيء، حتى أنني كنت ألقي كل شيء لا أستخدمه أو أتبرع به لشخص ينتفع به على سبيل المثال، أقصد أن تلك كانت عقليتي في فترة من الفترات، وحتى أتذكر أني كتبت هنا مساهمة عن اتباعي لهذا النهج.

لكن مؤخرًا أعدت التفكير. أعتقد أنني أضيّع على نفسي بعض التفاصيل التي تشكّل الحياة.. لماذا لا أستمتع بالحياة باستغلال كل ما سخره الله؟

يعني لماذا لا أنوّع ملابسي أو أمتلك مطبخًا يضم الكثير من البهارات وأدوات الطبخ -مثلًا؟

لماذا لا أستمتع بكل ما خلقه الله لأجلي في هذه الدنيا قبل أنْ أموت؟

بالتأكيد لا مانع من ذلك بل وحق كل واحد منا...

وهذا من مساويء اتباع مناهج كهذه اعتقاداً منا أنها الأفضل والأحدث والدراسات العلمية تصطف لصالحه أن منا من يتبعها ويتأثر بها -خاصة تلك التي تأتي بدراسات علمية- بدل من أن يستمع لما تريده نفسه بحق.

كثيرا ما نكرر هذا النمط في قياس الواقع، فنقول مثلا : كانت الحياة اسهل في الماضي، او كان الطعام اكثر لذة واكثر بركة، او كانت البلاد اوفر رزقا وارقى اخلاقا، لكن الا تلاحظين اننا في صغرنا عندما كننا نستشعر لذة الحياة كانوا ابائنا يطرحون نفس هذه الانماط في التفكير والقياس؟

اعتقد اننا عندما زادت مسؤلياتنا واختلفت زوايا رؤيتنا للحياة وفقدنا بعض ما في داخلنا من شغف وحب للحياة وفضول وتساؤل ادت هذه الاختلافات في النهاية الى فقدان حاسة التذوق لكل ما هو جميل، او على الاقل نقصانها، لكن عندما انظر لعيون طفل صغير ارى نفس الشغف الذي كان يثيرني في الماضي وارى نفس الحب والروح، نحن من فقدنا طفولتنا ليست الحياة من فقدت جمالها

هذه زاوية أخرى جديدة تمامًا من الموضوع، ما كانت لتخطر على بالي.

في الطفولة طبعًا يكون الدماغ في حالة امتصاص قصوى، وكل تجربة هي أول مرة، وهذا ما يُفرز كميات هائلة من الدوبامين المرتبط بالدهشة. لكن التكرار والمسؤوليات يحولان المدهش إلى عادي شيئًا فشيئًا.

وآباؤنا حين يقولون إن الماضي أجمل، هم لا يتحدثون عن جودة الطعام أو الرزق، لكن يتحدثون عن الجمال والاستمتاع بالحياة لأن بالها كان خاليًا في ذلك الوقت.

Youssef_Elshbrawe أضف ردا

غير اننا اذا تأملنا الامر، سنجدهم يهيمون وتقشعر ابدانهم لذكر اول وظائف تحملوها مثلا، او ايام دراستهم العليا كذلك، غير انهم في لحظات معايشة هذه الذكريات كانوا يستشعرون عنائها وثقلها، اختبرت هذا في نفسي رغم صغر سني، قد تمر عليكي ايام ترين ان مذاقها مذاق الحنظل، غير انك بعد سنوات تستطيعين ان تتذكري جوانبها الجميلة التي لم تستشعريها وتتمنين لو عدتي اليها لتستمعي بها حق متعتها، اعتقد ان الخطأ او الخلل هو في نظرتنا لحاضرنا ورؤيتنا له من زوايا ضيقة مع تحميل عقلنا وعيوننا بامل دائم بتحقيق ما ليس لدينا غير ناظرين لما بين ايدينا وقيمته

البساطة ليست المشكلة، بل تحوّلها أحيانًا إلى موضة فارغة بلا ذوق أو وعي.

فقدان الحِرفة والدفء أمر حقيقي، لكنه لا يعني أن الزخرفة وحدها تحمل الهوية.

هناك فرق بين بساطة واعية تُختار للراحة والوضوح، وفراغ يُفرض باسم العصرية.

الألوان السادة قد تكون مساحة نفسية هادئة لا فقرًا بصريًا.

تفضيل الهدوء اللوني يدل غالبًا على نفور من التشويش لا من الجمال.

الخلاصة: الهوية تُقاس بالانسجام، لا بعدد الألوان.

هذا الطرح يلامس جوهر التحوّل الذي نعيشه دون أن ننتبه: لقد استبدلنا الدفء بالتعقيم، والروح بالسطح، والتفاصيل التي كانت تحكي قصصنا بجدران صامتة لا تقول شيئًا. "المينماليزم" كما يُروّج له اليوم ليس بساطة، بل اختزال مفرط يُفرغ المكان من ذاكرته، ويُفرغ الإنسان من إحساسه بالانتماء.

في الماضي، كانت الأشياء تُصنع لتعيش معنا، لا لتُستبدل سريعًا. كانت الألوان والزخارف امتدادًا للروح، لا مجرد زينة. أما اليوم، فكل شيء يوحي بأننا ضيوف مؤقتون في عالم بلا ملامح.

الرقي الحقيقي لا يعني أن نعيش في فراغ أنيق، بل أن نعيش في مساحة تنبض بالحياة، وتحمل بصمتنا، وتُشبهنا.