ما الحياة إلا ميدانُ اختبارٍ لا يهدأ، تتعاقب فيه النكبات كما تتعاقب الفصول. نحاول، فنُخفق، ثم نعاود الكرّة، لا لأننا نهوى العناد، بل لأن فينا بذرةَ مقاومةٍ تأبى الانطفاء.

ركوب الصعاب صار هوايةً، وترويض العقبات عادةً، فبعض النفوس خُلقت لتسير عكس الريح، لا تأنسُ بالطرق الممهدة، بل تجد ذاتها حيث التحدّي يشتدّ، وحيث العثرةُ تُوقظ الإرادة من سباتها.

لقد حاولت جمع المال كما يحاول العطشان الإمساك بالسراب، فكلما دنوت منه، ابتعد.

لم أُتقن لعبة الثروة، لكنّي أتقنتُ ما هو أثمن: لذة الاكتفاء، ورفاهية القناعة.

ربّ رفاهٍ بسيطٍ يُنقذ الروح من شقاء الطمع، وربّ بسمةٍ صغيرةٍ تُغني عن أرصدةٍ كاملة.

كثرت التجارب، وتكاثرت معها الخسارات، غير أن الخسارة في ميزان الوعي ليست إلا رصيدًا من الفهم.

كل تجربة تضيفُ طبقةً من الحكمة، تُقوّينا من الداخل، وتُصلّب عودنا أمام ما هو آتٍ.

أدركتُ متأخرًا أنّ الفرص لا تُضيَّع عبثًا، وأنّ ما يفلت من بين أيدينا لم يكن لنا في الأصل.

لسنا نحن من نخطُّ مصائرنا بخطوطٍ حرة، بل القدر هو من يرسم المسار، ونحن نسير بين ثناياه نحاول أن نُجيد المشي، أن نتقن التوازن فوق خيطٍ من العواصف.

وحين تهبُّ رياح الحياة وتعصف بنا من كل صوب، لا نملك سوى أن نُخبّئ رؤوسنا بغطاء الصبر، وننتظر.

فما العاصفة إلا دقائق معدودة، وما بعدها إلا انقشاع الغبار وبداية طريقٍ جديد.

ذلك هو التكيّف الحقيقي:

أن نعرف متى ننحني كي لا ننكسر،

ومتى نرفع الرأس لنُكمل المسير،

أن نحيا رغم الهزيمة، ونبتسم رغم التعب، ونؤمن أن وراء كل عثرة درسًا، ووراء كل تأخّر حكمة.