كئيب…

"كئيب.. والكآبة، يا سادة يا كرام، هي القاتل الخفي الذي يقتلك وأنت حي. خطورتها تكمن في أنها كبعض أمراض الجهاز المناعي... تأتي من الداخل... وكأنها طابور خامس يعمل خلف أسوار مدينتك التي اعتبرتها آمنة وحصينة... يبدأ كبذرة... تكاد لا تلتفت إليها، ثم تثبيت الجذور رويدًا رويدًا كخطة طويلة الأمد.

هذا العدو يعتمد في نجاح خطته القاتلة على أمور مهمة... يقنعك بداية أنه صديق ولا ضرر منه، وأنه أتفه من أن تلتفت إليه، وأنت من أنت؟ يعتمد ببساطة على مبدأ الاستخفاف بالعدو، وكلما زادت حالة الإنكار لديك، ازداد توغلًا في كل فكرة، لينعكس ذلك على كل خطوة لك...

ثم في وقت ما، وهكذا فجأة، عندما يثبت قواعده ويحصنها ويملأ مستودعاته بالعتاد المناسب من حزن على ماضي وبؤس حاضر وهم على مستقبل... فجأة هكذا... يستل سياط الماضي البعيد والقريب ويبدأ بجلدك... فإذا نجح في ذلك... انتقل لسيف الخذلان... فأنت الضعيف الغبي المظلوم الطيب الذي لا تملك مهارة أو خبرة لتعالج أي مشكلة بشكل إيجابي.

ثم يمدك في هذه المرحلة بالسم المدسوس في العسل، فتزداد حبًا للنوم وللتسويف وللانعزال وللبطء في اتخاذ القرار وعدم تنفيذ أي قرار إيجابي إلا مضطرًا، وما يفرضه عليك واقعك اليومي... ويقنعك أن هذا كله سيمضي بانقضاء الوقت، والدليل... تلك الخيالات من أحلام اليقظة التي تمدك بخدر هادئ عجيب كلما صحوت من حلم وحاولت البدء بشيء ذي معنى... أردفك بحلم آخر، رغم سخافته واستحالته، إلا أنه يجعله منطقة الراحة بالنسبة لك ومهربك الحصين الخيالي.

ثم بكل خبث ودهاء ووقاحة، يبدأ بنشر راياته معلنًا الانتصار في أكثر من معركة، يكشر عن أنيابه ويستعد للضربة القاضية... فيبدأ باستخدام أسلحته الاستراتيجية الفعالة... المستقبل والخوف منه... سوف تعتقد عندها أن كل حركة تخطوها مصيرها الفشل، وأن كل مهمة تنويها مليئة بالعواقب والمصاعب من قبل أن تبدأ بها... باختصار، ستتخيل أن كل شيء تنوي القيام به هو أقرب للمستحيل ومحض خيال...

عندها، يا سيدي الفاضل... ويا سيدتي العزيزة، أهلًا بكم في نادي الاكتئاب الحاد... بل في واد سحيق... لا وجود له... إلا في مخيلتكم وأوهامكم... هذا الوهم هو القاتل الخفي... الذي صنعته أنت وغذيته أنت ونصرته أنت... عليك. فاستيقظ... هذا ما أنت بحاجة إليه... حدد مشاكلك الواقعية، ابدأ بالبسيطة منها، ابدأ بمعالجتها... ثم انتقل للمشكلة الأعقد... وهكذا. وتذكر قاعدة ذهبية دائمًا: لا مشكلة بدون حل، وكما عقدت العقدة... يمكن فكها. حربك لا تبدأ فقط بقرار، بل بقرار مع التنفيذ. لو بدأت... بدون توقف، حتى لو كنت بطيئًا، فاعلم أن النصر سيكون حليفك. فكآبتك، يا سيدي، كانت قرارك، ونجاتك... هي كذلك... قرارك."

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الكلام مؤثر جدًا ويلمس الواقع لأن أغلبنا مر بلحظات اكتئاب سواء كانت خفيفة أو وصلت لدرجة أثقلت النفس فعلًا وأعتقد أن أخطر ما في الاكتئاب أنه يسرق الوقت بدون ما نشعر تلاقي نفسك فجأة فقدت شهور أو سنوات من حياتك في حالة من التسويف والانعزال والخيالات اللي تبدو مريحة لكنها في الحقيقة تضعفك أكثر وهنا أرى أن الحل لا يكون فقط بكلمات تحفيزية بل بوعي عميق أن الاكتئاب مرض مثل أي مرض يحتاج خطة علاجية تبدأ بخطوات صغيرة جدًا مثل المشي يوميًا أو الخروج من العزلة أو حتى كتابة المشاعر على الورق لأن التغيير يبدأ من تفاصيل بسيطة ومع التكرار يخلق فرق حقيقي في المزاج والحياة

أعجبني أنك لم تترك المشكلة مفتوحة بلا حل، بل ختمتها بالحل الواقعي الحقيقي الذي أهنئك عليه وأحييك عليه أحر التحيات.

وبما أن المشكلة طرحت بوضوح تام والحل كذلك، أريد طرح سؤال آخر وهو: ما علاقة الاكتئاب بالعصر الحالي؟ لماذا صار هو وبعض الأمراض النفسية والجسدية الأخرى في قائمة Top 10 في أمراض العصر؟

نظن دائما أننا لوحدنا، لكن هذه الأمراض: الاكتئاب، القولون العصبي، الهلع... نلاحظ أننا كلما التفتنا هنا وهناك نشتم أعراضها، أو نلتقي بالمصرحين بشجاعة بإصابتهم بها.

ترى ما سبب هذا الانتشار؟ وكيف تكون الوقاية منها قبل وقوعها؟