التقط صورة لبروفايلي أمام الكعبة

  • HamzaSalim

الحياة الرقمية تُفسِّخ احساسنا بالحضور الجسدي في هذا العالم.

لطالما تجلَّى هذا التفسُّخ الجسدي في الحفاوة المبالغة بالصور واللقطات. لا نكاد نحضرُ اللحظة إلّا لتصويرها. لكنَّه أمر مفهوم، ففي النهاية معظم من نعرفه في الحياة الرقمية لا يرانا في الواقع، وإن صادفناهم فما هي إلّا بضعُ لحظات. ناقشتُ في تدوينة قديمة (1) أنَّ الصور التي ننشرها أصبحت بمثابة اللغة التي نتواصل بها مع الناس.

أنا أفهم هذه اللغة، وأتحدّث فيها في أحيان كثيرة، أنشر صوري بين فترة وفترة، لأبقي على هذا التواصل مع بقيِّة الناس.

الأمر الأكثر تطرّفا في الإنفصال عن الجسد والواقع، هو ما يروجُ مؤخرًا من ثقافة "تصوير البروفايل" في الأماكن المشهورة: حاليًا ملاعب مونديال قطر، حفل غنائي، وحتّى الأماكن الدينية مثل الكعبة المشرَّفة.

في تويتر ببحث بسيط عن "بروفايلي + الكعبة" ستشاهد العديد من الناس يتحدّثون عمّن صور لهم بروفايلهم في الكعبة، أو يطلبون تصويره لمن يذهب إلى هناك.

الصور من هذا النوع يجب أن تمتلك مزايا محدّدة: يظهر فيها المكان جليًا في الخلفية، ويلتقط الشخص صورة لنفسه ممسكا بهاتف ثاني يظهر بروفايل صاحبه. انتبه! اذا لم يظهر المكان بشكل واضح فقد ضاع هدف الصورة!

لو عدنا خمسين سنة إلى الوراء فقط، وهو عمر قصير جدًا في تطوّر الثقافات البشرية، وقلنا لجدّي عن الهدية التي جلبناها له من أمريكا: قد كتبتُ اسمك أمام تمثال الحريّة! سيشيح جدِّي بوجهه عنك متذمرًا من هذا السلوك غير المُنتج، وسيقول لك ألم يكن لك مال تبتاع لي فيه هدية حقيقية؟

برأيكم، ما الذي حصل في العقدين الأخيرين، فجعلنا نحتفي بهذا الشكل المبالغ به في "تصوير البروفايل" أمام الأماكن التاريخية والمشهورة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لقد كنت أفكر في الأمر ذاته منذ مدة، فما وصلنا إليه مرحلة التقاط الصور في كل لحظة نمر بها أشعرني بأننا نفوت على أنفسنا ميزة الاستمتاع بتلك اللحظات. فقد صارت متعتنا تتمثل في صورة جيدة تذكرنا بالموقف والمشاركين فيه، ونسينا صناعة ذكرى حقيقية نسعد كلما تذكرناها. ومن هنا صرت أترك هاتفي في الحقيبة كلما خرجت مع صديقاتي، ولا نلتقط الصور إلا في نهاية اليوم، وكان لهذا الفعل دوره في إعادة ربط الصلة بيننا بطريقة جيدة.

التقط صورة لبروفايلي أمام الكعبة

برغم اعتراضي على مثل هذه التصرفات وعدم قيامي بها حتى الآن، إلا أن تذكرك لشخص ما في أهم لحظات حياتك هو أفضل طريقة لإظهار حبك له. وإن كنت أميل أكثر إلى التصرفات التقليدية مثل الدعاء له أو جلب الهدايا.

برأيكم، ما الذي حصل في العقدين الأخيرين، فجعلنا نحتفي بهذا الشكل المبالغ به في "تصوير البروفايل" أمام الأماكن التاريخية والمشهورة؟

ربما لإظهار الحب لصاحب البروفايل، أو التفاخر بإظهار تواجدنا في أماكن مهمة، أو لعدم قدرتنا على الاستمتاع باللحظة دون التقاط الصور مئات المرات.

برغم اعتراضي على مثل هذه التصرفات وعدم قيامي بها حتى الآن، إلا أن تذكرك لشخص ما في أهم لحظات حياتك هو أفضل طريقة لإظهار حبك له. وإن كنت أميل أكثر إلى التصرفات التقليدية مثل الدعاء له أو جلب الهدايا.

حاولت التفكير بين الدعاء والهدية وبين التقاط صورة البروفايل عندما كتبت المنشور، لكنِّي وجدت ان الخيار الثاني اكثر سهولة، تجريدًا.

تستطيع ان تلتقط صور لعشرين بروفايل، هل ستدعو لنفس النفر بصدق؟ او تجلب هدايا؟

الوقت الذي يأخذه الشخص لتصوير البروفايل يمكنه من خلاله الدعاء، ويتبع البعض أحيانًا فكرة تصوير الدعاء وإرساله لصاحبه بدلًا من تصوير صورة البروفايل. ولا أخفيك أني أشعر من بعض هؤلاء الأشخاص بالرياء في مكان لا رياء فيه.