أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، (ولد يوم 17 ربيع الأول 80 هـ في المدينة المنورة وتوفي فيها في مساء 25 شوال من سنة 148 هـ)، إمام من أئمة المسلمين وعالم جليل وعابد فاضل من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب وله مكانة جليلة عظيمة لدى جميع المسلمين.

لُقِبَ بالصادق لأنه لم يُعرف عنه الكذب، ويعتبر الإمام السادس لدى الشيعة الإثنا عشرية والإسماعيلية، وينسب إليه انتشار مدرستهم الفقهية والكلامية. ولذلك تُسمّى الشيعة الإمامية بالجعفرية أيضاً، بينما يرى أهل السنة والجماعة أن علم الإمام جعفر ومدرسته أساسٌ لكل طوائف المسلمين دون القول بإمامته بنصٍ من الله، وروى عنه كثير من كتَّاب الحديث السنة والشيعة على حدٍ سواء، وقد استطاع أن يؤسس في عصره مدرسة فقهية، فتتلمذ على يده العديد من العلماء. ومن الجدير بالذِكر أن جعفر الصادق يُعتبر واحداً من أكثر الشخصيات تبجيلاً عند أتباع الطريقة النقشبندية، وهي إحدى الطرق الصوفيَّة السنيَّة.

يقال أنه من أوائل الرواد في علم الكيمياء حيث تتلمذ على يديه أبو الكيمياء جابر بن حيان، ويرى بعض الباحثين أن جعفر الصادق ألتقى بخالد بن يزيد بن معاوية وأخذ عنه الكيمياء وقد تمت التعمية على هذه المعلومة من قبل بعض المؤرخين لأسباب سياسية وعقدية.كذلك فقد كان عالم فلك، ومتكلماً، وأديباً، وفيلسوفاً، وطبيباً، وفيزيائياً.

هو: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وقد سُمي باسم "جعفر" تيمناً بجده جعفر الطيار الذي كان من أوائل شهداء الإسلام.كُني جعفر الصادق بعدة كِنى منها: أبو عبد الله (وهي أشهرها)، وأبو إسماعيل، وأبو موسى. ولقب بالصادق، والفاضل، والطاهر، والقائم، والكامل، والمنجي.

أم أبيه هي: أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب.

أمه هي: أم فروة فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر .

أمَّا أم أمه فهي: أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر .

وقد اجتمعت في نسبه خصائص ميَّزته عن غيره كما قال الأستاذ عبد الحليم الجندي: «فجعفر قد ولده النبي مرتين. وعليّ مرتين، والصدّيق مرتين، ليدلّ بهذا المجد الذي ينفرد به في الدنيا على أنه نسيج وحده. ومن الناحية الأخرى ولده كِسرى مرتين. ليدلّ الدنيا - من أعلى مواقعها - على أن الإسلام للموالي والعرب. فذلك هو الدين الذي جاء به رسول الله.».

مولده ونشأته

رسم قديم للمدينة المنورة التي وُلد فيها جعفر الصادق.

وُلد جعفر الصادق في المدينة المنورة بتاريخ 24 أبريل سنة 702م، الموافق فيه 17 ربيع الأول سنة 80 هـ، وهي سنة سيل الجحاف الذي ذهب بالحجاج من مكة. تنص بعض المصادر على أن ولادته كانت يوم الجمعة عند طلوع الشمس وقيل أيضاً يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وقالوا سنة ست وثمانين، وقيل في السابع عشر منه. أفاد عدد من علماء الشيعة أن النبي محمد تنبّأ بولادة جعفر الصادق، وأنَّه هو من كنّاه بالصادق، فقد جاء في الحديث: «إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق، فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدَّعي الإمامة اجتراءً على الله وكذباً عليه، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري».

اعتبره البعض من أتباع التابعين، إلا أن الظاهر أنه قد رأى سهل بن سعد وغيره من الصحابة، وروى عن أبيه، وعن عروة بن الزبير وعطاءٍ ونافع والزهري وابن المنكدر، وله أيضاً عن عبيد بن أبي رافع. وقد وُصف الصادق بأنه مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير، أبيض الوجه، أزهر، له لمعان كأنه السراج، أسود الشعر، جعده أشم الأنف قد انحسر الشعر عن جبينه فبدا مزهراً، وعلى خده خال أسود.

والده محمد الباقر هو خامس الأئمة عند الشيعة، وقد اتخذ من ولده جعفر وزيراً، واعتمده في مهمّات أموره، في المدينة وفي سفره إلى الحج، وإلى الشام عندما استدعاه الخليفة هشام بن عبد الملك، وذلك لأنه كان أنبه إخوته ذكراً، وأعظمهم قدراً، وأجلّهم في العامة والخاصة. فكان أبوه الباقر مُعجباً به، ونُقل عنه أنه قال: «إن من سعادة الرجل أن يكون له الولد يعرف فيه شبه خَلقه وخُلقه وشمائله، وإني لأعرف من ابني هذا شبه خَلقي وخُلقي وشمائلي». وعند أهل السنة والجماعة أن جعفر الصادق كان يُدافع عن الخلفاء الراشدين السابقين لعلي بن أبي طالب، ويمقت الذين يتعرضون لأبي بكر ظاهراً وباطناً ويغضب منهم، ومن الأحاديث التي نقلها عنه أهل السنَّة في هذا المجال حديثُ عن زهير بن معاوية؛ قال فيه: «قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جاراً يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر. فقال جعفرٌ: برئ الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر، ولقد اشتكيت شكايةً، فأوصيت إلى خالي عبد الرحمن بن القاسم».

آلت الإمامة - بالمعنى الشيعي- إلى جعفر الصادق عندما بلغ ربيعه الرابع والثلاثين (34 سنة)، وذلك بعد أن توفي والده مسموماً (وفق بعض المصادر)، مثل كتاب الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، وكان ذلك في ملك هشام بن عبد الملك، وتشير المصادر إلى أن الأخير كان وراء سمّ الباقر. وتنصّ مصادر أخرى على أنَّ جعفر الصادق قال: «قال لي أبي ذات يوم في مرضه: "يا بني أدخل أناساً من قريش من أهل المدينة حتى أشهدهم"، فأدخلت عليه أناساً منهم فقال: "يا جعفر إذا أنا متّ فغسلني وكفني، وارفع قبري أربع أصابع، ورشّه بالماء"، فلما خرجوا قلت له: "يا أبت لو أمرتني بهذا صنعته ولم ترد أن أُدخل عليك قوماً تشهدهم"، فقال: "يا بني أردت أن لا تُنازَع، وكرهت أن يُقال أنه لم يوصِ إليه، فأردت أن تكون لك الحُجة"». ووفق المعتقد الشيعي فإن الإمام الباقر رغب من وراء هذا أن يُعلم الناس بإمامة الصادق من بعده. وفعلاً فقد قام الإمام الصادق بتغسيل والده وتكفينه على ما أوصاه، ودفنه في جنَّة البقيع إلى جانب الصحابة الذين توفوا قبله.

زوجاته وأبناؤه

تزوَّج الصادق من نساءٍ عديدات، منهنّ: فاطمة بنت الحسين الأثرم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان أبوها ابن عم زين العابدين، ومنهن حميدة البربريَّة والدة الإمام موسى الكاظم، واتخذ إماء أخرى ات. وكان له عشرة أولاد، وقيل أحد عشر ولداً؛ سبعة من الذكور وأربع إناث، فأما الذكور فهم: إسماعيل (وإليه ينسب المذهب الإسماعيلي)، وعبد الله، وموسى الكاظم، وإسحاق، ومحمد، وعلي (المعروف بالعريضي)، والعبَّاس. وأما الإناث فهن فاطمة وأسماء وفاطمة الصغرى وأم فروة. كانت زوجة الصادق الأولى هي فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهي أم إسماعيل وعبد الله وأم فروة، وبعد وفاتها ابتاع الإمام أمَةً أندلسية، يرجع أصلها إلى بربر المغرب تُدعى (حميدة بنت صاعد)، فأعتقها وعلَّمها أصول الشرع والدين ثم تزوَّجها، فولدت له موسى ومحمد، وقد أجلّها الشيعة وبالأخص نساؤهم؛ لورعها وتقواها وحكمتها، وعُرفت باسم " حميدة خاتون" و"حميدة المصفّاة" بسبب ما قاله زوجها عنها: «حميدة مصفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب».

جعفر بن محمد الصادق

الترتيبالسادس عند الإثني عشرية والإسماعيليةالاسمالإمام الصادقالكنيةأبو عبد اللهتاريخ الميلاد17 ربيع الأول 80 هـتاريخ الوفاة25 شوال 148 هـمكان الميلادالمدينة المنورةمكان الدفنالبقيعألقابالصادق، الفاضل، الطاهر، علي السادس.الأبمحمد بن علي الباقرالأمأم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.الأولادإسماعيل، عبد الله، موسى الكاظم، إسحاق، محمد، العباس، علي (المعروف بالعريضي)، أبو بكر، أسماء، فاطمة، عائشة

علي · الحسن · الحسين · زين العابدين · الباقر · الصادق · الكاظم · الرضا · الجواد · الهادي · الحسن العسكري · المهدي المنتظر

وكان الإمام شديد الولوع بولده البِكْر إسماعيل وكثير الإشفاق عليه؛ ولذا كان قومٌ من الشيعة يظنون أنه الإمام بعد أبيه، وهؤلاء قد زعموا أن جعفر الصادق نصّ على إمامة إسماعيل، ثم وقع الخلاف بينهم: هل مات إسماعيل في حياة أبيه أم لا؟ والأشهر أنه مات في حياة أبيه سنة 145 هـ. ويفيد أتباع المذهب الإثني عشري أنَّ الصادق كشف عن وجه إسماعيل مرات عديدة بعد وفاته، وأشهد ثلاثين من صحابه على موته فشهدوا بذلك، كما أشهدهم على دفنه، لكن على الرغم من ذلك بقي فريق من الشيعة يعتقدون بإمامته وحياته حتى بعد وفاة والده الصادق. وكان إسماعيل رجلاً تقياً عالماً باراً مطيعاً لأبيه، أمَّا أخوه عبد الله فقد اتُهم بمخالفة أبيه في الاعتقاد، وبأنه كان يخالط الحشوية، ويميل إلى مذهب المرجئة، كما عارض أخاه موسى في الإمامة، وادّعى الإمامة بعد أبيه لنفسه، احتجاجاً بأنه أكبر أخوته الباقين، واتّبعه حشدٌ من الناس قبل أن يرجعوا لإمامة موسى. وأقام نفر من الناس على القول بإمامة عبد الله؛ وهو النفر المعروف بالفطحية تيّمناً بعبد الله الذي كان يُكنى بالأفطح، لأنه أفطح الرأس أوالرجلين - أي كان عريض الرأس والرجلين - على أنَّ عبد الله لم يعش بعد أبيه الصادق إلا سبعين يوماً ومات. وأما إسحاق فقد كان محدّثاً جليلاً وقال بإمامة أخيه موسى. وأما محمد فكان سخياً شجاعاً وفارساً، وقد خرج على الخليفة العبَّاسي المأمون بمكة، لكنه خسر القتال، وصحبه العبَّاسيون إلى بغداد حيث عاش مُكرَّماً بقيَّة أيامه.وأما علي بن جعفر فقد كان راوياً للحديث وقد لزم الإمام موسى الكاظم وروى عنه، وكذلك كان العباس.

المصدر