صناعة الوهم

"‏عام ١٩٥٦ دخل مذيع الراديو جين شيبرد مكتبة في نيويورك و بحث عن كتاب فلم يجده على الأرفف. طلب المساعدة من البائع الذي بحث عن العنوان في السجل و لم يجده، فقال لـ شيبرد: لم أجده، و لا أعتقد أن هذا الكتاب له وجود أصلا لأنه ليس على قائمات الناشرين "الأكثر مبيعاً". 

انزعج شيبرد من الرد لأنه يعلم يقينا أن الكتاب موجود. و كان مذيع راديو ليلي ساخر، يقول لمستمعيه: نحن ليليون و باقي الناس "صباحيين". و تذمر مما حصل معه في المكتبة و من قائمات الناشرين السخيفة التي يعدها "الصباحيين". وقال: مايجعل الكتاب يصل لقائمات الناشرين، هو كثرة حديث الناس عنه". 

ثم جاءت الفكرة! قال شيبرد لمستمعيه الليليين: مارأيكم أن يذهب كل منا صباحا إلى أقرب مكتبة، ويسأل عن كتاب وهمي. ثم اتفق مع المتصلين على الاسم: I,Libertine لمؤلف انغليزي وهمي اسمه: فردرك ايونغ، وهو قائد بحرية سابق في الحرب العالمية الثانية، يعمل حاليا كموظف حكومي في مستعمرات افريقيا.

في اليوم التالي ذهب المئات من متابعي شيبرد "الليليين" إلى مكتبات نيويورك يسألون عن رواية فردرك ايونغ الوهمية. وإذا قال البائع أنها غير موجودة، يقدمون طلبات لشراءها. إحدى مكتبات نيويورك وصلها ٢٧ طلب وخلال أسابيع طُلبت الرواية في اوروبا لأن بعض المستمعين يعمل في قطاع الطيران والشحن.

مستمعي شيبرد كانوا يشاركون مايحدث معهم في برنامجه الإذاعي: مستمعة تذكر أن ٣ من صديقاتها يدعون أنهم قرأوا الرواية ولم تعجب ٢ منهم! وطالب في الجامعة حصل على درجة +B لبحث كتبه عن الرواية الوهمية مع ملاحظة من البروفيسور تقول: بحث رائع. و كاتب عمود صحفي وصف لقاءه بالروائي الوهمي.

بدأت تقييمات الكتاب الوهمي تنتشر في الإعلام و زاد الزخم حوله لدرجة أن كنيسة في بوسطن وضعته على قائمة الكتب الممنوع على المؤمنين قرائتها! و أخيرا في صيف ١٩٥٦ وصل الكتاب لقائمة صحيفة نيويورك تايمز لأفضل الكتب مبيعا! و هي من أشهر قوائم الكتب في امريكا و العالم كله.

بعد انتشار الوهم وخروجه عن السيطرة، كشف شيبرد المقلب بالاتفاق مع مراسل صحيفة وول ستريت جورنال الذي كان يحقق في الفضيحة. بعد نشر التحقيق انتشر مقلب قوائم النشر عالميا و كتبت عنه الصحافة البريطانية الساخرة، و نقلته صحيفة برافدا السوفييتية بالتفصيل.

شهرة اسم الكتاب الوهمي الذي أصبح على كل لسان لم تترك بدون استغلال، تواصل أحد الناشرين مع شيبرد و اتفقوا على إصدار رواية فعلية باسم I,Libertine تولى كتابتها أحد اصدقاء شيبرد و نجحت بشكل جيد في ذلك الوقت حتى وصلت لقوائم الكتب الأفضل مبيعا و بقي اسم فردرك اوينغ الوهمي على الرواية".

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

شكرا لك على الحكاية الطريفة محمد. ذكرتني بالمسرحية الهزلية "مريض الوهم" للفرنسي موليير، حيث يتوهم الثري أرغان مرضه واعتلال جسده بشكل دائم ويصدق ذلك بشكل فعلي.

يمكن إسقاط هذه القصة على ما يحدث في زمن التواصل الاجتماعي حيث تنتشر الكذبات والأوهام بسرعة البرق ويشرع الجميع في تصديقها والتصرف وفقا لها.

حكاية تصف واقعنا حاليا حيث ينجر الكثير خلف الاشاعات و الأوهام و يصدقونها دون التحري عن مصادرها و حقيقتها.

صناعة الوهم تقوم عليها أحد أكبر الاستراتيجيات الدعائية في التاريخ الإنساني، حيث أن العديد والعديد من البشر يمتلكون الرغبة في مجاراة من حولهم دون أن يمتلكوا القدرة والشجاعة الكافية بالاعتراف بجهلهم بشيءٍ ما.

وفي السياق نفسه، تذكّرت واحدة من أهم القصص التي تشابه القصة، حيث أن أحد الطلاب في جماعةٍ ما قد عمل على بحث واستطلاع رأي مع طلاب الجامعة حول فوائد وأضرار غاز هيدروكسيد الهيدروجين. من باب العلم، لا يوجد مركّب كيميائي يسمّى بهذا الاسم بشكل علمي، وإذا اعتبرناه اسمًا شائعًا، فإن معنى هيدروكسيد الهيدروجين هو الـ H-OH أو ما يعرف علميًا باسم الـH2O، وهو مركّب الماء، فقط لا غير.

الصادم في الأمر هو أن العديد من الأشخاص أدلوا بالآراء المتناقضة حول أضرار وفوائد واستخدامات الغاز، وقج استخدم صاحب البحث النتائج والردود لإثبات وجهة النظر نفسها حول كمية المغالطات التي قد تحدث فجأة بسبب هذه الاستراتيجية القائمة على الإيهام والجهل بالحقيقة.

أعلم تماما عن صناعة الوهم، ولكن ما لفت انتباهي هو الأشخاص الذين يدعون أنهم قرأوا الرواية، ويبدأون بإضافة التفاصيل وخلق قصة من اللاشيء!

أتذكر تجربة حدثت في مصر قبل سنوات، حيث نزل مذيع للشارع وبدأ يسأل الناس هل شاهدت برنامج كذا؟ وكان الاسم لبرنامج وهمي غير موجود، والغريب أن جميع الأشخاص ادعوا أنهم شاهدوا وبعضهم قال أنه لم يعجبه، وأخرون بدأوا يذكرون تفاصيل عنه.

أعتقد أن رغبة الكثير من البشر في اختلاق الأكاذيب و "الهبد" لا حدود لها.

كثيرة هي الأحلام التي تشكل تفاصيل حياتها ولكنها ليست واقعية وتبقى في الذاكرة حتى تتحقق او تتلاشى ولكن هل يمكن ان تتلاشى من الذاكرة ..

حكاية لطيفة جدا أعتقد أن المغزى منها عميق يقصد به الوعود الكاذبة والتصريحات غير المنطقية التي ينساق الكثيرون إليها لأنهم يحبون ذلك بكل أسف!

مرحباً محمد،

إن الإنسان هو من يصنع الوهم، وهو من يصدق الوهم. المغزى من حديثي هنا أننا بإمكاننا رفع أنفسنا عالياً أو إنزالها أرضاً. فإذا أوهم الفرد نفسه بأنه قادر على فعل المستحيل، سينجح بحياته ويحقق ما يريد. وإن أوهم نفسه بالضياع والضعف واستحالة فعل الشيء، فسيتكاسل حتى لو كان بإمكانه إنجازه فعلاً.

(كشف شيبرد المقلب)

يا ترى

كم مقلبًا انطلى على البشرية على مدار الوهم الذي نعيش !؟