هل يلام الذئب على أكل ذات الرداء الأحمر؟

قصة ذات الرداء الأحمر من القصص الضاربة في القدم، يعيد البعض جذورها لما يربو على الألف عام، القصة في أبسط صورها تتحدث عن فتاة صغيرة ذهبت لتعطي شيئًا ما لجدتها وأثناء عبورها الغابة قفز ذئب أمامها ليلعب معها ويسألها عما تفعله في الغابة، فتخبره بذهابها لجدتها ومكان المنزل فينصحها أن تلتقط بعض الأزهار لجدتها المريضة وتذهب إليها، وعندما تصل هناك تستمر القصة كما نعرف جميعًا، فتجد جدتها بأذنين كبيرتين وأنف كبير وأنياب وجثة ضخمة، وبعد عدة تساؤلات بريئة يقفز الذئب ليلتهم ذات الرداء الأحمر.

يمكنني استقراء جذور هذه القصة التي اختلقها الأجداد، ربما أرادوا فقط أن يعطونا نصيحة "لا تذهب مع الغريب ولا تأخذ منه شيئًا، ولن نتحدث عن الأمير الذي أضيف لاحقًا للقصة لينقذ ذات الرداء الأحمر، أو ذلك الفيلم السينمائي الغريب الذي شاهدته منذ عدة سنوات بنفس العنوان ولم أتبين علاقته بالقصة الأصلية إلا من الرداء الأحمر -كان جيدًا الصراحة، ولكن دائمًا ما شعرت وأنا طفل أن ذلك الذئب شرير، ولكن هل هو شرير حقًا؟

الأخلاق، أحد أهم أعمدة أي نظام اجتماعي على هذه الأرض، وتظهر تلك الأخلاق في كل المجتمعات الحيوانية بشكل مختلف، فنجد الذئاب تفضل الشريك الواحد، والأسود ترى التعددية بل الانفتاح الجنسي أحيانًا، ويحكم ذلك مجموعة من القواعد التي يتوارثوها جيلًا عن جيل، ولا يختلف الأمر كثيرًا بيننا، ولكن تبدأ المشكلات حينما نطبق ذلك على غيرنا من الحيوانات، هل الذئب شرير لأنه أكل الجدة؟ لا أعتقد أنك شعرت بمقدار "شره" عندما أكل الجدة مقارنة بأكله لذات الرداء، فالحبكة الدرامية جعلتنا نتعاطف مع الشخصية الرئيسية "ذات الرداء الأحمر" أكثر من الجدة، ويبدو لنا أنه كلما تعاطف البشر أكثر من شخص كلما استفز ذلك التعاطف مقدار تطبيقهم لأخلاقهم على تلك الشخصية، فنحكم على الذئب أنه شرير لأنه قتل جميلتنا، ونحكم على الكلب أنه شرير لأنه عض طفلنا، بينما لا نرى ذلك الشر إذا ما أكل دجاجة ما، أو إذا أكلنا نحن دجاجة ما، فهل الإفتراس فعل لا أخلاقي؟

لا أعتقد أن الإفتراس فعل غير أخلاقية، البعض يعتبر أنه من المستحيل تطبيق النظم الأخلاقية على الحيوانات لعدم امتلاكها الوعي الكافي، بينما الواقع يقول عكس ذلك في كثير من المجتمعات الحيوانية كالشمبانزي والغربان، فأعتقد أن لتلك المجتمعات أخلاق ما، ولكن لا مجتمع منها يعد الافتراس جريمة لا أخلاقية، كما لا نعد افتراسنا لغيرنا جريمة، وكما لا تعد الخراف افتراسها للعشب جريمة، إذن هل من حقنا أن نطلق أحكاما أخلاقية على غيرنا من المجتمعات؟

الذئب كان مدفوعًا بغريزة البقاء، كان جائعًا، فهو مضطر، ورغم ذلك نعتبره شرير، فما قولك في مليارات الحيوانات غير المضطرة ورغم ذلك تقتل غيرها من الكائنات "للتخزين للمستقبل"؟ لا أستطيع أن أرى فعل الذئب أقبح من فعل البشر.

لنفرض مجتمعًا حيوانيًا عاقلًا، تملك الحيوانات فيه وعيًا بشريا وغريزة شديدة الحيوانية، ففي هذا المجتمع، هل افتراس الحيوانات لبعضها عمل غير أخلاقي؟ ولما قد يعاقبوا عليه؟ أليست تلك غريزتهم التي جبلوا عليها؟ عقلهم فقط لا يستطيع أن يمنع تلك الغريزة دائمًا أو يوقفها، فمن أنت لتحكم على فعله أنه غير أخلاقي؟ ومن أعطاك الحق لتحكم عليه بأخلاقك إلا منطلق القوة؟

من الأنميات الجيدة حقًا التي تعرضت لهذه المعضلة "طوكيو غول" وبدرجة قليلة جدًا "الهجوم على العمالقة"، ففي طوكيو غول كانت هنالك فلسفة ممتازة في أول بضع حلقات -قبل أن يفسد الأنمي مانجاكا أحمق- تتحدث عن حالة مماثلة، فهنالك مجموعتان من الكائنات الذكية على هذا الكوكب، البشر والغيلان، ولا يمكنك أن تفرق بينهم بالشكل، ولكن إذا ما سيطرت الغريزة على الغيلان انقضوا على البشر يأكلوهم دون قدرة منهم على كبح أنفسهم، ووضح الأنمي محاولة أحد الغيلان مقاومة هذه الغريزة وفشله، وكيف أن مقاومتها تؤدي لأضرار أكبر وأخطر، فهل يجب علينا حقًا أن نمنع هذه الغريزة ونكبتها؟ يشتكي أحد الغيلان صارخًا عن الظلم في المعاملة، وكيف لا يحق لهم أن يعيشوا كالبشر، فهم يتغذون عليهم ببساطة كما أن البشر يتغذون على باقي الحيوانات، فلما يوصف فعلهم هم بالشر ويحاكموا والبشر لا؟ ومن الحلول التي حاولوا وضعها هو تغذية الغيلان على جثث الموتى، وبعض القصص التي عرضت حالة مماثلة مع مصاصي الدماء كانت ترى أن من واجب البشر التبرع بدمائهم لحل هذه المشكلة.

ما فائدة كل هذا الهراء؟ جاوب أولًا على الأسئلة بالأعلى قبل الإنتقال للآتي، فالإجابة ببساطة كالآتي: فكر في القتلة والسفاحين وآكلي لحوم البشر الذين عرفتهم البشرية، هل يختلفون كثيرًا عن الحالات بالأعلى؟ ما وجه الإختلاف؟ ألا يستحقون أن نوفر لهم حلولاً توافق غريزتهم؟ خذ هذا لدرجة أعمق، البيدوفيليين ومن على شاكلتهم، ألا يشبهون أولئك الآخرين؟ كلهم سيقولون لك أن الغريزة هي من تدفعهم، كما تدفعك غريزتك للبقاء لقتل الفراخ، فما موقفك من كل هذا؟ فكر قليلًا في ما تعتنقه من ثوابت لا تتزعزع وافهم نفسك أكثر، افهم حقيقة المثل العليا التي تعتقد أنك تعتنقها، أو منظومتك الأخلاقية العالية جدًا، واسأل نفسك سؤالًا: أملوم الذئب على فعلته؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مقال جيد وإن كنتَ لم تقترح حلولاً لهم بفرض أنه مضطرون.

مشكلة النظرية التي طرحتها هي أنه حتى لو تعاطفنا معهم ستبرز مشكلات تحتاج الحلّ منها: كيف نقيس الغريزة؟ بمعنى كيف نفرّق بين له غريزة شديدة هو مضطر معها، ومن له غريزة لكنها ضعيفة الحدة فيستطيع السيطرة عليها بالأدوية وغيره. ومن ليس له هذه الغريزة فقط يتظاهر...

أما على ذكر الغيلان فتنتابني هذه الأيام فكرة أن الغيلان كانت موجودة في الأرض لفترة ما. لكن منذ اللحظة التي نبس فيها سيدنا النبي عليه السلام قوله "لا غُول" اختفت تلك المجتمعات الغولية تمامًا من على وجه الأرض في تلك اللحظة بالذات مصداقًا لقول النبي عليه السلام. أغراني هذا بكتابة قصة خيالية تحكي عن حياتهم وآمالهم وطموحاتهم حتى تلك اللحظة التي اختفوا فيها. لكني كسلت عن كتابتها.

بعض الحلول موجود مضمنة في المقال بالفعل، انتظرت فقط أن يقولها أحدهم، منها العيش المتبادل بالاعتراف برغباتهم ومحاولة إرضائه بطرق غير ضارة، كما كان يقدم البشر جثث موتاهم للغيلان، وهذا ما يميل له البعض حاليا في التعامل مع البيدوفيليا، فيخبروك أن تصنع دمًا على شكل أطفال لتساعدهم، وتعرضت لحل آخر وهو صناعة أفلام اباحية خاصة بهم في مقال سابق عن الصورة والرسم.

والحل الآخر طبعًا هو فرض أخلاقنا عليهم بمبدأ القوي وهو واضح للجميع، وهو الذي نميل له هنا.

كيف نقيس الغريزة

سؤال جميل، أرى صراحة أننا لسنا في حاجة لقياس الغريزة لندرك أن السفاح السيكوباثي الماثل أمامنا يفعل ذلك بطبيعته، هناك حالات في التاريخ لن تجد لها تفسيرًا إلا هذا، وحتى لو كانت بعضها ناتجة عن أحداث في الصغر فبد دخلت في "غريزة" هذا السفاح حتى أنه لا يستطيع التخلص منها، لا يوجد إنسان عاقل على هذه الأرض يمكنه قتل أكثر من ١٠ أشخاص دون أن يشعر بالذنب إلا سياسي أو سفاح طغت على عقله الغريزة، سواء كانت غريزة بقاء نشطت كرد فعل لاحداث ماضية او استعداد جيني مع محفزات حالية، والبيدوفيليون تحدثتم عنهم في المقال، ببساطة كلمتهم هي الفاصل، وأي قول لنا غير ذلك هو فرض منا لأفكارنا النسبية بمبدأ القوي.

ومن ليس له هذه الغريزة فقط يتظاهر...

إن كنا نتحدث واقعًا بعيدًا عن الغيلان،هذا السؤال يتلاشي في معظم الحالات، لا يمكنك سؤاله لبيدوفيلي أو آكل لحوم بشر ما، وقد تعتقد أنه يمكنك سؤاله لسفاح ما، ولكن وضحت بالأعلى ماهية السؤال حينذلك، وأعتقد أن علم النفس يمكنه أن يفيد في تبيان إذا ما كان يفعل ذلك وهو في حالته الطبيعية أم لا.

أما على ذكر الغيلان فتنتابني هذه الأيام فكرة أن الغيلان كانت موجودة في الأرض لفترة ما. لكن منذ اللحظة التي نبس فيها سيدنا النبي عليه السلام قوله "لا غُول" اختفت تلك المجتمعات الغولية تمامًا من على وجه الأرض في تلك اللحظة بالذات مصداقًا لقول النبي عليه السلام. أغراني هذا بكتابة قصة خيالية تحكي عن حياتهم وآمالهم وطموحاتهم حتى تلك اللحظة التي اختفوا فيها. لكني كسلت عن كتابتها.

أعتقد أنا نتحدث عن غيلان مختلفة هنا أستاذ يونس، ولكني على العموم متشوق لقراءة نظريتك حول ذلك الإختفاء، وربما تحدثنا عن أثر الكلمة الذي تعتقده الذي جعلهم يختفون ب "لا غول"

وجهة نظر مختلفة، اجدني اتفق معك فيما قلته.

وما الذي قلته؟

في هذا

فكر قليلًا في ما تعتنقه من ثوابت لا تتزعزع وافهم نفسك أكثر، افهم حقيقة المثل العليا التي تعتقد أنك تعتنقها، أو منظومتك الأخلاقية العالية جدًا

أود أن أشيد باختيارك العناونين، فبالرغم من أن ما تكتبه فلسفة أعلى من مستواي، وقد لا أكون مهتمة بالموضوع؛ إلا أنني أجد نفسي مدفوعة للقراءة من أجل العنوان فقط.

وبالطبع فالذئب يلام، لأن الحكاية على لسان الحيوان والطير التي تألق فيها الشاعر الفرنسي لافونين، ونقلها أحمد شوقي للشعر العربي، لا تخضع للأقيسة المنطقية لأن الحيوانات رموز، وليست مقصودة لذاتها، وإنما هناك بعد للقصة وهو الذي ذكرت عن التحدث عن الغرباء..

وهل تلومين الذئب على أكله الدجاجة؟

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم
mooaz2015 أضف ردا

لا أحد يأخذ شيئًا هنا، فقط وجه هذه الأسئلة إلى نفسك مجددًا، دعني أسأل سؤالًا بريئًا: أنت ترى أن الحيوانات خلقت لمنفعتك، وكذلك قد ترى الحيوانات على طول السلم الغذائي، فما رأيك لو قالت الغيلان نفس ما تقوله؟ هل لديك حق الإعتراض؟

ماذا لو كان الكتاب السماوي لآكلي لحوم البشر والسفاحين يقول لهم أن باقي الكائنات من ضمنها باقب البشر خلقوا لمنفعتهم؟ ولما نذهب بعيدًا التوراة تقول ذلك بالفعل، سيخبرونك هذه وظيفة الأمم و-أعذرني في اللفظ- الحيوانات أمثالك، فهل ستقول "اما اذا اردت ان تأخذ منظومتك الاخلاقية من فلسفة ما فستدخل الى دوامات ولن تجد اجابة"؟،

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

هل أتجنب استخدام الأسلوب الغامض بعد اليوم أم ماذا، هل لم يوضح ما أقصده آخر فقرة في الموضوع؟ لا أعتقد أن السفاحين والبيدوفيليين يؤمنون بالإسلام، ولا الغيلان ولا مصاصي الدماء.

هل يحق للغيلان افتراس البشر ، اجل طالما هم الاقوى .

حسنًا، يحق للقوي افتراس الضعيف، ولا يعد فعله خطئًا بأيةشكل، سأضع هذا في الإعتبار المرة القادمة التي أتحدث فيها عن أكل لحوم البشر.

حتى اكون صريح معك ما كتبته يفوق قدراتي العقلية البسيطة بمراحل كبيرة، وخصوصًا أنّ معرفتي الفلسفية أو الثقافية بسيطة بعض الشيء مقارنًة بالباقي، ولكن سوف احاول الإجابة من مُنطلق تلقائي بعض الشيء ...

الإنسان لو تُرك دون وعي مع فطرته، فسيفسد الأرض بفساده، وقدرة الإنسان على القرار هي الفارق الأهم في كل ما تحدثت به عن الحيوان.

عندما يهاجم الحيوان حيواناً آخر، ستكون ردة الفعل البديهية والطبيعية الرد بالهجوم دفاعاً عن النفس. لكن نفس ردة الفعل بشكل دقيق ليست هيا ما يفعله الإنسان عندما يُهاجَم من إنسان آخر، وهنا يصح القول: أن الإنسان المُهاجَم عليه قلما نقص وعيه، كلما اقترب من غريزته الحيوانية، ليرد بنفس الصاع، وكلما زاد وعيه كانت نتيجة تعاطيه مع الهجوم مختلفة بشكل إيجابي.

الغريزة هي التصرف الفطري للكائنات الحية تجاه سلوك أو نمط معين من السلوكيات، مميزة للأنواع، وهي غالبًا ما تكون ردود فعل على محفزات بيئية معينة. تملك كل أنواع الحيوانات مميزات وأنماط استجابة أو تفاعل موروثة بشكل عام، والتي تستخدمها في بيئات مختلفة من دون وجود تعليمات رسمية، أو تعلم، أو أي تأثيرات بيئية أخرى أكثر من حاجتها للبقاء

تُعتبر الغريزة ميلًا فطريًا للتصرف سببها المنبهات الخارجية، إلا إذا غلب عليها الذكاء، عندها يعتبر الكائن مبدعًا وأكثر تنوعًا

ليس هناك إجماع على وجود تعريف دقيق للغريزة والسلوكيات البشرية التي يمكن اعتبارها غريزيةً

وعلى حسب ما قرأت!!

لا يوجد سلوك بشري غريزي. وبالمثل، يعتبر بعض علماء الاجتماع أن الغرائز هي سلوكيات فطرية موجودة في جميع أفراد أي نوع ولا يمكن التغلب عليها، ولكن لأن الحاجة للجنس والجوع يمكن التغلب عليها، فإن هذا التعريف يؤدي أيضًا إلى وجهة نظر مفادها أن البشر ليس لديهم غرائز

لذلك أنا أيضًا لا اجد الذئب مُلامًا

وفي النهاية الإنسان عقل!

لكن نفس ردة الفعل بشكل دقيق ليست هيا ما يفعله الإنسان عندما يُهاجَم من إنسان آخر،

كيف؟ أعطني مثالًا، أعتقد الإنسان سيفعل مثلما سيفعل الحيوان بالظبط إن هوجم من أي كائن على الأرض.

لا يوجد سلوك بشري غريزي.

الافتراس غريزي يفعله البشر بفعل غريزتهم، الجنس غريزة فجة، العنف وردات الفعل التلقائية غريزية، تعريفك للغرائز ناقص جدًا ويعارض أي تعريف لأي إنسان آخر على الكوكب، ولا يؤخذ بالتعريف الشاذ على العام، فالغرائز هي الحواج الأساسية المبرمجة بداخلنا، كالتكاثر والافتراس وردات الفعل، وما تفعله اذا صمت مثلا هو مجرد "تحكم" في الغريزة، ولكنه ليس تغلبا عليها، شعور الجوع لن يختفي ابدا مهما صمت، ولا الرغبة في الجنس مهما تنسكت.

لذلك أنا أيضًا لا اجد الذئب مُلامًا

جيد، إذن ما رأيك في البيدوفيليا والمثلية الجنسية -هنالك فرق بينهم لكن جمعهم شيئ مشترك هنا- والنيكروفيليا، والسفاحين، كلهم يقولون أنهم يتبعون غرائزهم، هل ستلومهم على أفعالهم؟

كيف؟ أعطني مثالًا، أعتقد الإنسان سيفعل مثلما سيفعل الحيوان بالظبط إن هوجم من أي كائن على الأرض.

عندما يكون هناك ردة فعل فذلك نظرًا لأن ذلك لم يتم تعلمه، ولا يزال هذا المفهوم موضع جدل كبير، هناك من يعتبره غريزة، وهناك من يعتبره ليس غريزيًا، ليس من الضروري أنّ يفعل الإنسان مثل الحيوان إن هوجم من أحد... هناك من لم يفعل شيء... هل الذي لا يفعل شيء نقول أنّه ليس لديه غريزة؟ أو أنّ هذه صفة لديه؟ أو أنّ هذا جُبن منه؟

الافتراس غريزي يفعله البشر بفعل غريزتهم، الجنس غريزة فجة، العنف وردات الفعل التلقائية غريزية، تعريفك للغرائز ناقص جدًا ويعارض أي تعريف لأي إنسان آخر على الكوكب، ولا يؤخذ بالتعريف الشاذ على العام، فالغرائز هي الحواج الأساسية المبرمجة بداخلنا، كالتكاثر والافتراس وردات الفعل، وما تفعله اذا صمت مثلا هو مجرد "تحكم" في الغريزة، ولكنه ليس تغلبا عليها، شعور الجوع لن يختفي ابدا مهما صمت، ولا الرغبة في الجنس مهما تنسكت.

ما تقوله أنّت يُعتبر من الصفات المنظور لها على أنها غرائز بعض المحركات والمثيرات التي لا يمكن التغلب عليها كدوافع الجنس والجوع لا يمكن اعتبارها غرائز، إذ أنه يمكن كبحها

يمكن أن يسمى أي سلوك متكرر “غريزيًا”، بالإضافة لأي سلوك له مكون فطري قوي. ومع ذلك، لتمييز السلوك الخارج عن سيطرة الكائن الحي عن السلوك الذي يحتوي على مكون متكرر... يُعتبر السلوك غريزيًا، عندما يجب أن يكون:

١- تلقائيًا،

٢- لا يُقاوم،

٣- يحدث في مرحلة ما من التطور،

٤- ينشأ عن حدث ما في البيئة،

٥- يحدث عند كل فرد من الأنواع،

٦- غير قابل للتعديل،

٧- التحكم بالسلوك من دون أن يحتاج الكائن الحي إلى تدريب (على الرغم من أن الكائن الحي قد يستفيد من التجربة وإلى هذه الدرجة يكون السلوك قابلاً للتعديل). يشير غياب واحد أو أكثر من هذه المعايير إلى أن السلوك ليس غريزيًا تمامًا.

إذا تم استخدام هذه المعايير بطريقة علمية صارمة، فلا يمكن استخدام مصطلح “الغريزة” للإشارة للسلوك البشري. وبمعنى آخر، في ظل هذا التعريف، لا توجد غرائز بشرية.

أما بخصوص السفاحين ..إلخ، هذه ليست غرائز بقدر ما هو مرض نفسي، أو ما تم زرعه في عقولهم من صغرهم، الحياة فيها تفاصيل لا يمكن أن تعلّمها من أفلام أو كتب أو روايات أو كتالوجات او نصائح الآخرين... فالامر يتعلق بالبيئة التي يعيشون بها، ولا يُمكن تبرير أفعالهم بأي شكل من الأشكال... حيث أنّ السفاحين صنفوا ضمن الاشخاص اللاعقلانية، أي بمعنى أوضح أشخاص ليس لديهم أي فهم أو حس اتجاه الأخلاق أو حقوق الآخرين، وليس لهم الحس عن المعنى أو الألم، وليس لديهم القدرة على التعاطف ... بمعنى أوضح أكثر مثلهم مثل الأطفال عندما تقوم بشرح لهم شيء عن المعاناة.... فسبب وجود السفاحين هو الجينات أو الهرومونات أو تغيرات في المخ، وهذا كله بسبب الجانب البيولوجي ....

فالأمر في النهاية كله متعلق بالعقل

هناك من لم يفعل شيء... هل الذي لا يفعل شيء نقول أنّه ليس لديه غريزة؟ أو أنّ هذه صفة لديه؟ أو أنّ هذا جُبن منه؟

هناك من الحيوانات من يغمى عليه من الرعب أيضًا، لكن كل الحيوانات تحاول الدفاع عن نفسها ومنهم البشر.

ما تقوله أنّت يُعتبر من الصفات المنظور لها على أنها غرائز بعض المحركات والمثيرات التي لا يمكن التغلب عليها كدوافع الجنس والجوع لا يمكن اعتبارها غرائز، إذ أنه يمكن كبحها

هذا فراق بيني وبينك، أنت ترفض تعريفات الغريزة التي يعتبرها العالم كله وتخلق تعريفا خاصا بك، ولا أملك من الطاقة ما يكفي للسفسطة، يمكنك أن تكمل بالشروط التي تضعها النقاش مع شخص غيري، فلا توجد أرضية مشتركة هنا، راجع كلماتك من جديد، نهارك سعيد.

صراحًة كل شخص وله رأي، طبعًا رأيك يُحترم، وليس القصد من نقاشي أو تعليقي إظهار أي جانب خطأ من المُمكن أي يكون كلامك كله صحيح، ومن المُرجح أنّ يكون كلامي أيضًا صحيح، الاشياء المتعلقة بهذه الأمور قد تكون معقدة، ومن الصعب الوصول لنتيجة بها على ما اظن بارضاء الطرفين، فكل شخص يتكلم بحسب ما قرأه وتعلمه...

وشكرًا لك على النقاش يا طيب، كل الاحترام <3، ونهارك سعيد أيضًا

بعد انتهاء عرض للأسد مع مدربه محمد الحلو في سيرك القاهرة في التسعينات وأثناء ما كان المدرب يقدم التحية إلى الجمهور، انقض عليه الأسد من الخلف وافترسه في وحشية، وأعلنت وفاة المدرب في المستشفى بعد أيام، الغريب ان الأسد دخل بعدها في حالة اكتئاب حاد ظهرت في رفضه الطعام لعدة أيام ومهاجمته لأنثى أرسلوا بها إليه للتخفيف عنه، فكاد يقتلها هي الأخرى، وظل على حاله إلى ان تفاجأ حارس القفص يوما بالأسد وقد جن جنونه وراح يعض أجزاء جسده وظل ينزف إلى أن مات، ماتت "نفسه" ، بعد أن استيقظ ضميره الذي تألم بعد طغيان الغريزة وتعديها،

"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون"،

"وإذا الوحوش حُشرت".

مثلما خُلقت الغريزة، خلق الضمير الذي يحفظ الكون من التحول إلى غابة تحكمها الغريزة، الغريزة التي وجدت للإستدلال على الضمير، الضمير الذي هو نور الله الذي وضعه في نفوس المخلوقات كافة لتستدل به على الصواب والخطأ وليس نفوس البشر فقط على اختلاف الطوائف والمرجعيات

"وإن من أمة إلا خلا فيها نذير"

"ولقد بعثنا في كل أمة رسولا"

"منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص.."

"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"

إذا كنا سنقدم جثث الموتى للغيلان فماذا يمنع من تقديم جثث الموتى للسفاحين للتمثيل بها وإشباع الغريزة، ألا يقترب ذلك من تقديم المرضى الذين لا يرجى شفائهم كقرابين هي الأخرى ولكن بطعم آخر من باب زيادة المتعة والتنويع في الأطباق؟

هل تطفئ الدمى الغريزة أم تشعلها، هل الأجدى البحث عن طرق لإشباع الغريزة المتطرفة، ام البحث عن علاج للتطرف الذي طغى على الفطرة؟ هنا نلجأ لأهل العلم والاختصاص.

كحل مؤقت فقط، وليس جوابا شافيًا، فالجواب الشافي يحتاج إلى كشف لغز القدر، السر الإلهي الذي حثت الأديان (جميعها) على عدم الخوض فيه. وحتى ذلك الحين يكون المعول على إيمان المؤمن لا فلسفة الفيلسوف لأن العقل لن يقود سوى إلى مزيد من الحيرة والمزيد من أسئلة فلسفية، تطرحها عقول بشرية لم يكشف عنها الحُجب بعد، تبحث عن اليقين في أرض حصادها الشك.

هذه اجتهادات فقط، إلى أن نصل إلى دار اليقين، ويكون هناك نقاش آخر على أسس أخرى وثوابت مختلفة.