كيف تحول رمضان من شهر الصيام إلى شهر الإسراف؟

طِوالُ العامِ نبحثُ عنّه،وننتظرهُ بفارغ الصبرِ والحنينِ،

نقفُ على أطلالهِ؛أن يبرأَ كلالةَ أرواحِنا،ويروِّضُ مطامعَ بطونِنا،و يُجثيَ لهثاتِ صدورِنا، ويُعمّرُ فينا ما قوَّضتهِ باقي الشهور.

لكن! وبالرغم من سابق علمنا بفضلهِ و خصوصيتهِ، إلا أنَّه ثمة مشهد متناقض يأبى إلا أن يتكرر كل عام، مشهد يُفرّغ الشهر من روحه، ويحوّله إلى مهرجان استهلاكي يعجّ بالمسرفين.

الطقسُ هائجًا، يزعقُ بالأمطارِ الشديدةِ،والنَّاس كأنما في بيوتهم أقوامًا من الفئران،هجّوا..هجّوا جميعهم إلى الأسواق، نحنُ أيضا هججنا معهم،كأنّما حرب على الأبواب؟

دُهشتُ: هل نحن مقبلون على شهر صيام أم مجاعة؟

لقد بدى لي الأمر (كظاهرة سنويّةٍ)

فأصبح معروفًا أن الأيام التي تسبق رمضان، تتحول الأسواق إلى ميادينِ سباقٍ محمومٍ، أرفف تتهاوى تحت ثقلِ المنتجات، وعربات تتكدسُ بما يكفي لأشهرٍ، وكأن هذا الشهر ليس شهر الصيام، بل شهر التخزين والاستهلاك الجائر. كأن الجوعَ القادم سيُنسي الناس أن الله رزقهم بقوت يومهم، بل و وعدهم بذلك، فباتوا يجمعون الطعام خوفًا من انقطاعٍ لا وجود له.

نظرتُ أكثر..فوجدتُ صفحات الفيسبوك والأنستاجرام،ومواقع الطلبات الإلكترونية،بدأتْ منذ وقتٍ في سباقِ الترويجِ والعروضِ المُغرية لقوائم المنتجات،كأنَّها تُبرِق عيون المشتري، أو كأنها تحرضه على المزيدِ من الإنفاق، وتستفز الجوع الكامن داخله، ليُكبّل نفسه بأصناف الطعام والشراب،وتورِّطهُ فيها.

كل شاشة، كل واجهة، كل إعلان، يلهبُ الرغبات ويدعو إلى موائد مترعة بألوان الطعام، موائد تفوقُ الحاجة، وجسد يحشرجُ تحت وطأة التخمةِ، يَحلُّ الإفطار، فتفرُّ معاني التوازن، وتحضرُ معالقُ الامتلاء، تتصدر الموائدُ أطباقًا لا يُستهلكُ نصفها، وتُلقى النِّعم في سلال المهملات، وكأن الغاية من الصيام أن يجوع الإنسان نهارًا، ليُثقل معدته ليلًا.

وعليهِ فأقولُ: كلَّما انساقَ الإنسان وراء خرخرةِ أمعائهِ، وانشغلَ بفائضِ قوتِه،وبالتخطيط لوجبات غَدِهِ،وبإضاعةِ وقته في الأسواقِ والمطابخِ،كلَّما ابتعدَ أكثر عن جوهر هذا الشهر الفضيل،وأصبحَ قاصٍ عن عباداتهِ ، مُتراخيًا عن أدائِها.

فكان لزامًا عليهِ أن يتعلّم الإعتدال،فالنَّهم في الطعام،يغدو نهمًا في كل شيء آخر،وأن يفهمَ غاية الصَّوم،وأنه ليس شهرا للجوع المؤقت ولا للموائدِ العامرةِ،بل هو فرصة للإرتقاءِ بكل ما يثقلُ النفس من تُخمةِ الذنوب وبدانةِ البطون.

و بدلًا من أن نركضَ خلف الأسواق،لنسعى إلى لحظاتِ الطمأنينةِ، وبدل أن نُسرف في الطعام، لنسرف في الدعاء، وبدل أن نُكثر من الموائد، لنعمِّر قلوبنا بالذكر والتقوى. فهكذا فقط، يكون رمضان كما يُرادَ له أن يكون، شهر الصيام لا شهر الإسراف.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

رغم تعلقي الشديد ببعض الطقوس العائلية والإجتماعية، التي اعتدنا ممارستها خلال الشهر الفضيل. لكني لا أشجع أبدا المبالغة في التسوق والإنفاق خلال ذلك الشهر المبارك، أو غيره من المناسبات السعيدة..

فالإحتفالات بشكل عام، والدينية منها بشكل خاص، يجب أن تكون روحية أكثر منها مادية برأيي.

أوافقك على أن الجانب الروحي يجب أن يكون الأهم في هذا الشهر الكريم، لكن ربما يكون الإنفاق بالنسبة للبعض وسيلة للتعبير عن الفرح والمشاركة، خاصة في تجمعات العائلة والضيافة. الأهم هو ألا يتحول الأمر إلى إسراف يفقد المناسبة معناها الحقيقي.

صحيح أرى أن السبب الرئيسي لهذه الممارسات هي الطقوس و العادات العائلية والإجتماعية، التي اعتدنا ممارستها خلال الشهر الفضيل. و التي لم تختفي مع الوقت بل في تزايد مستمر.

استغلال المناسبات هي حيلة تسويقية شائعة جدًا، وفكرة تقديم ما يشبع الرغبات تبعًا لمنطق التلذذ بأطياب الأطعمة في هذا الشهر يحمل في طياته دفع الجميع للإسراف في الاستهلاك، على الرغم من أن الحقيقة هي أن كميات الغذاء التي يحتاجها الفرد في هذا الشهر لا تختلف عن أي شهر آخر، من الجميل بالطبع الاحتفال ببعض المراسم مع الأهل والأقارب، ولكن الاعتدال وحساب مصاريف المستلزمات والإنفاق وغيره، بالإضافة إلى التركيز على الهدف الروحاني من الشهر هو المطلوب.

أتفق معك بشدة فالكثيرون ينشغلون بالجوانب الاستهلاكية في رمضان، متناسين جوهره الروحي.

التناقض بين الصيام كوسيلة للتقرب إلى الله و الاحساس بالفقراء و المساكين، وبين الإسراف في الطعام والشراء، يجعلنا نفقد الكثير من بركات الشهر. الحل يكمن في إعادة التوازن: استهلاك معتدل، تركيز على العبادة، وتذكير أنفسنا بأن رمضان فرصة للإرتقاء بالروح، لا لإشباع البطون.

الإعلام والدعايت له دور في ذلك

برأيي الاعلام والدعايات موجودة منذ الازل، من طفولتنا ونحن نشاهد اعلانات لرمضان، ولكن نحن بحاجة في الوقت الحالي إلى التوازن في حياتنا، إلى تذكير أنفسنا بأن رمضان شهر للعبادة و تكوين علاقات اجماعية، قضاء وقت مع الأهل والتكاتف مع الأقارب، عدم الاسراف بشكل كبير.