10

ما بين النسيان و التوهم به

واهم من يعتقد أنه سيقفز يوما فوق ذاكرته متجاوزا كل ما مضى بكبسة زر. ومدلس من يخبرك أن الماضي يبقى هناك، بعيدا مظلما متواريا خلف حجب الحاضر. الإنسان يشبه بحيرة تشكلت منذ عصور خلت تجتمع فيها مياه البحر المالحة وانهمار المطر وسيول أنهار عذبة وبقايا برك آسنة، تختلط كلها لتعطي كائنا مميزا لا يشبه أحدا غيره. حتى طفولته التي لا يكاد يتذكر منها سوى مشاهد شاردة هي حاضرة بكل عزمها معه في حله وترحاله.

تتحكم الأحداث الغابرة في طريقة تفكيرك وفي تحديد أولوياتك ورغباتك وحتى في اختيار معاركك. تصاحبك جملة قيلت لك دون انتباه من صاحبها عمرك بكامله، فتبني منها أسوارا تحمي معتقداتك، أو ما اختير لك اعتقاده. واهم من يتحدث عن الماضي وكأنه جزء من رحلتك قد تركته وانفصل عنك، وكأنك قطار مضبوط على سرعة محددة يتجاوز المحطة تلو الأخرى لا مباليا، هدفه الوصول. لم يكن قدر الإنسان الوصول. بل الرحلة، وكل ما يعيشه خلال هذه الرحلة.

بصيغة أبسط، وأقرب لقلبي الذي يعشق الرسم و الرسامين ويدي التي تفشل في رسم تفاحة، كل لون يصبغ لوحة بيضاء سيظل عالقا فيها حتى تعود اللوحة للعدم الذي جاءت منه، قد يتلاشى بريقه ربما، أو يخفت لمعانه أو تخبو حدته، وربما يتغير تماما عما كان عليه من قبل، غير أنه دائم الحضور ما دامت اللوحة بين يدي رسامها أو على حائط مقتنيها. وأنا لوحة أنهكتها الألوان وفرش الرسم ويد الرسام، أحتفظ بألواني كلها داكنها وفاتحها، جيدها وسيئها. لا لون يمكن أن يمحى ولا حركة فرشاة يمكن أن تلغى. معلقة على حائط بارد. وأنتظر.

واللوحة لا تعرف أي لون قد بدأ الرسام به أولا ولا أية حركة سبقت الأخرى، ننظر إليها فنرى رسما نستمتع به، أو ننفر منه. لا ماضي للوحة ولا حاضر هي ذلك الخليط من الألوان والماء والذي أنتج شكلا متكاملا نحمله بين أيدينا مبتهجين ونعلقه داخل غرف المعيشة وقرب المكتبات.

واهم من يعتقد أن بمقدرته التخلص من أعضائه بالبتر، أو من عشيقاته بحفلات النسيان أو من دموعه بالرقص تحت المطر، أو من ماضيه بدروس العزف وحصص اليوغا. كل هذا يساعد في تلطيف الذكرى وتهذيبها حتى لا تظل حادة تخدش الروح وتدميها.

ماضينا أعمدة الأساس التي ينهار بنياننا بانهيارها، حاضر في حاضرنا على الدوام، يقبع كجندي مجهول بين تفاصيلنا، يوجهنا ويوجعنا، يحنو بيد ويصفع بالأخرى. أحداث الطفولة، قصص النوم، غراميات المراهقة، عشق الصبا، نجاحات تافهة وفشل ذريع. وعود على حافة الرحيل ودموع الفرح القصير والحزن الأصيل.

هل كان يمكن أن نكون ما نحن عليه لولا هذا الماضي الذي نحاول التنكر له؟ لا أعتقد، وطن بدون ذاكرة لا يستحق أن نحمل لواءه، وإنسان بلا ماض، مسخ آلي لا قيمة لوجوده. التركيز على الحاضر كأنه كل ما نملك هو نوع من الهروب الجبان، ووعود النسيان التي يمنونك بها لحياة أسعد لا تكاد تكون سوى خرافة لذيذة ستأخذ وقتها ثم يمحقها برهان الواقع.

ستشهد كل آثارك عليك، من هنا مررت، وفوق هذا الجرح ذرفت الدمع ونزفت الأمل، وعن قمة هذا الحب سقطت وعلى سفح ذلك الخذلان هويت. ماضيك جنينك الذي لا يقبل مغادرة أحشائك، راقد بداخلك حتى تفنى. وواهم من يعتقد أن جراحا مهما بلغت عجرفته سيستطيع استئصاله.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أهلا خديجة..

من المؤلم أن نرى أشخاصا يريدون التنكر لماضيهم، أو إغفاله، ولكن الحق يقال، ليس كل الماضي علينا تذكره!

بل ربما أتمنى لو فقدت جزءا من ذاكرتي به ماضٍ مؤلم.

هناك مقولة تقول: من يسيطر على الماضي، يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي.

لذا فأرى أنه لا مفر من الماضي، ولكن إنكاره من أجل البدء بحاضر أفضل لهو خير.

مثلا لو كان هناك شخص له ماضي بأنه قد سجن، ثم أحب أن يغير حاضره، فغير مدينته، وغير أصدقاءه، وبدأ بمهنة تدر دخلا حلالا عليه، لهو أفضل من أن يبقى حبيسا لماضيه الأسود.

وهنا أتذكر قصة الرجل الذي قتل مئة نفس، كانت النصيحة له بأن يغير مكانه، لتصح توبته.

الهروب من الماضي القذر، لجعل الحاضر والمستقبل أفضل، أجده منطقيا للغاية، والأشخاص الذين يفعلون هذا بالطبع هم يدركون أن البشر لا ينسون، لذا يهربون من حياتهم الماضية بكل ما فيها.

كم هي رائعة تلك الكلمات..

الماضي بالفعل لا يمكن استئصاله ولكن يمكن التحكم به، بدون الماضي لا حاضر ولا مستقبل، فمن الخطأ مهما كان الماضي مؤلما لا يجب التنصل منه أو التغافل عنه أو إنكاره..

يجب أن يظل الماضي حاضر دائما للاستفادة منه وتصويب الأخطاء أو التعديل عليه والبدء من جديد بشكل أفضل، فكيف لإنسان أن يبني حاضر ومستقبل على ماض مجهول!

الماضي..

دروسه خصبه والمه متجذر في طيات ارواحنا

مرة يكون ربيع واخرى خريف ،واحيانا لحظات ذات برودة الشتاء وشمس الصيف .

هكذا هو في ذاكرتنا وفي كل مره يكون مصحوبا اما بأبتسامه اوو دمعه...

لا نستطيع اقتطاعه او نسيانه لأنه ببساطه كل حدث فيه ولد شعورا داخلنا فأن تناسينا الحدث فالشعور لا يمكن خاصة عندما يكون وجعا .

الافضل ان نعتز بماضينا وان كان قاسيا فدروسه لا تعوض وله النصيب الاكبر في حاضرنا ومستقبلنا .كل ما نحتاجه التعامل بصدق ،بقوه وبحكمه معه كي لا يغلبنا

يقول الأجداد "الذي فات مات" لكنّ الحقيقة أنّ ما فات مازال حيًا ينبض بلطف أحيانا، و يصرخ أحيانا أخرى، هو لم يمت وإنّما أمات منّا أجزاءً و أحيا أخرى، لا يمكننا التخلّي على تجاربنا المؤلمة فهي قد كانت المعلّم، و السعيدة منها كانت سلوانة...

لنكن ممتنين لكل الأقدار التي اختارها الله لنا مهما كان لونها، و مهما كان طعمها، فهي التي بَنتنا و صنعت فينا مجدًا و فخرًا.

يُخلق الإنسان صفحة بيضاء. ثم يكبر ويتعرض للعديد من المواقف التي تشكل شخصيته لاحقاً. ولكن العامل الأهم في تشكيل الشخصية هم الأب والأم، لأنهم على احتكاك دائم بأطفالهم. فمن يحظى بوالدين رائعين يعطيناه الثقة الكاملة، يكون قوي الشخصية يعبر عن آرائه لا يخشى شيء. ومن يعيش في ضوء بيئة مليئة بالنقد والضرب والتوبيخ، يتشكل منه إنسان تائه إما جبانا ضعيف الشخصية، أو شخص متنمر مؤذي للمجتمع. لذلك، يجب علينا أن نهيء أطفالنا للعيش في هذا العالم بسوية من خلال تكوين شخصية سليمة من جميع الجوانب النفسية والاجتماعية والحركية.

drmostafasaied أضف ردا

إن كل التجارب التي مر بها الإنسان لا يتم نسيانها أبداً

وهذه التجارب هي التي تشكل شخصية الإنسان وحياته الحالية والمستقبلية،

وإذا ما تعاملنا مع التجارب كذكريات، فإن هذه الذكريات لا تنسي علي الإطلاق، فكلما مر الإنسان بتجربة جديدة في حياته يتذكر تلقائياً ما مر به من تجارب وذكريات شبيهة في الماضي، لهذا فالذكريات تشكل جزءاً مهماً في دماغ الإنسان لا يمكن محوه، فهذا ليس لصالحه، فالذكريات الأليمة برغم كل ما تحققه من آلام وأوجاع لصاحبها إلا أنها تمثل أحد أهم مصادر التعلم له، التي لا يمكن الإستغناء عنه.

الماضي كما الحاضر كما المستقبل جزء من تكوين الانسان لا يمكن ان نقتطعه او نزيله كونه يتغلل فينا ويسكن في أفكارنا وفي عقولنا وربما نتصرف من خلالها وتنتابنا المخاوف من تجارب الماضي او تتملكنا الحافزية من النجاحات في الماضي.

الماضي لا يمكن انكاره لانه سنوات من عمرنا او لحظات قد صنعت فينا الكثير ما بين جرح غائر او فرح عامر ..

amalnahal
  • حذف بواسطة المستخدم

انتى كلمك جميله جدا