لاحظت أن الناس أكثر تعاطفا مع المظلوم، الجائع، البريء، اليتيم، الفقير.. عندما يشاهدونه في مسلسل او فيلم ما او حتى مقطع تيكتوك..، او عندما يقرؤون عنه في كتاب أو رواية او حتى منشور أو تغريدة، أكثر بكثيير مما يتعاطفون معه في الواقع! لعل أغلبنا إذا تأمل في حياته جيدا ومعارفه ومحيطه لوجدها لا تخلو من أحد هؤلاء على الأقل.. لكننا نتجاهلهم إن لم يكن عمدا فعن غير تركيز منا، بينما نتأثر بشدة بقصص مشابهة عندما نقرأ عنها او نشاهدها، ربما لأن المقطع أو الكاتب يصور لنا الواقع من وجهة نظر الشخصية فنعيش كل معاناتها ونستشعر كل مشاعرها الصادقة.. مثل رواية "الأبله" لدوستويفسكي، الأسلوب السردي الذي وظفه يجعلك ترى نفسك (أو ذلك الجزء البريء من نفسك) في الشخصية، فتشاركها الشعور وتتعاطف معها أكثر..آهٍ لو أن بإمكاننا استحضار نفس ذلك التعاطف في الواقع..ما الذي يمنعنا من استحضاره؟
لماذا نتعاطف مع البريء في الروايات أكثر من الواقع؟
التعليقات
يمكن لأنّ التعاطف في الروايات يكون مجرّد شعور لحظي نعيشه ونحن جالسون في مكان مريح نقلب الصفحات أو نشاهد مشهداً مؤثّراً لكن في الواقع التعاطف غالباً يحتاج إلى تصرّف حقيقي مساعدة وقت وجهد وربّما مال أيضاً وهذا ما يجعل كثيراً من الناس يتجاهلون من حولهم ليس لأنهم بلا قلب ولكن لأنهم لا يريدون أن يورّطوا أنفسهم أو ليست لديهم القدرة النفسيّة أو المادّية أو حتّى لا ينتبهون أصلاً المشكلة أنّنا نرى الشخصيّات الخياليّة بعيون المخرج أو الكاتب الذي يجعلنا نحسّ بكلّ شيء يشعرون به لكن في الواقع الناس لا تتكلّم عن مشاعرها بهذا الوضوح وقد يبدون أقوياء وهم من الداخل مكسورون لذلك إذا عرفنا كيف نعامل من حولنا بالحساسيّة نفسها التي نعامل بها أبطال القصص فقد تتغيّر أشياء كثيرة
ذكرت نقطتين مهمتين فعلا وهي ان الواقع يحتاج تحركا فعليا اكثر من مجرد شعور عابر، وان كثيرا من المكسورين لا يظهرون مشاعرهم وييدون اقوياء..
ولكن ألا يعني هذا ان شعورنا وتعاطفنا معهم في الروايات ليس حقيقيا واننا نخدع نفسنا فقط؟ لأن التعاطف الحقيقي اصلا يحتاج الى فعل، ليس دمعة وحسب الا ان كنا فعلا عاجزين ولا نملك الا الدموع..
الرد بسيط من وجهة نظري بريء الروايات شخصية غير ملموسة لن يكلفك تعاطفك معها أي شيء بالحقيقة ولن يؤذيك بعكس الأبرياء بالواقع، لأن مظلوميتهم تدفعك دفعاً لإتخاذ قرار بمساعدتهم أو الوقوف بجانبهم وهو ما قد يكلفك الكثير لأنك ببساطة ستواجه الظلم أو (الشر نفسه) الذي يواجهه الشخص المظلوم فإن كان جائع فهذا يعني أقتسام لقمتك معه حتى لو كانت قليلة ـ ولو كان يواجه ظلم من شخص أو جهة ما فهذا يعني أن تعاطفك لن يجدي نفعاً إلا إذا كنت ستواجه العدو نفسه، وأنا هنا لا أتحدث عنك أو عن نفسي، ولكن أتحدث عن نمط التفكير الذي يحكم تلك الشريحة من الناس التي تفكر بتلك الطريقة .
الشريحة من الناس التي تفكر بتلك الطريقة .
المثير انها نفس الشريحة (اللي تلقاها تتبكبك فمواقع التواصل) واي ريح يسحبها (مثل قضية الوسيم الذي حكم عليه بالسجن اذا تذكرها تعاطف الكثير معه وبدؤوا ينشرون صوره مع اموجيهات بكاء وقلب مكسور وكأنهم فقدوا جزءا منهم)
أليست هذه مشاعر مزيفة.. هذا يثير فعلا فكرة كيف ان حتى الكتب والروايات (مثلها مثل مواقع التواصل) بإمكانها توجيه القراء وسحبهم للرأي الذي يريده الكتاب.
ربما ما يمنعنا من التعاطف الحقيقي في الواقع هو أن المعاناة الحقيقية فوضوية، لا قصة وسرد كامل كما في الروايات، ولا موسيقى حزينة في الخلفية، ولا وصف عميق وقوي للمعاناة، ولا مشهد يُنهي الألم بلقطة مؤثرة.
في الواقع، الفقير قد يكون شخصا سيئا أيضا، والمظلوم قد لا يعبر عن نفسه، واليتيم لا يملك عيونًا دامعة دائمًا، لكن وجعهم ومعاناتهم جميعا حقيقية.
الرواية والدراما كأنها تهندس المعاناة لتُظهرها واضحة للأعمى ولمن ليس لديهم قلب حتى، فتستفز مشاعرنا.
أما الحياة؟ فهي لا تمنحنا دائمًا وقتًا ولا سياق كامل ولا المؤثرات الكافية لفهم الألم كاملا.
الرواية والدراما كأنها تهندس المعاناة لتُظهرها واضحة للأعمى ولمن ليس لديهم قلب حتى، فتستفز مشاعرنا.
اذا هل التأثر بها في رأيك مجرد خداع لانفسنا بمشاعر زائفة.. ام انها مشاعر حقيقية ولكنها لا تجد محفزا لايقاظها كما تجده في الروايات والدراما؟! وكيف نصنع هذا الحافز لنصنع التغيير في الواقع؟
لأن الرواية تُقدّم لنا البريء في إطار مركّز، بصوت داخلي واضح، وزاوية تجعل الألم ملموسًا. أما في الواقع، فالتفاصيل مبعثرة، والصوت خافت، والحكم مشوش. الفرق ليس في مشاعرنا، بل في طريقة تقديم المعاناة. لو تعلمنا أن نُصغي كما نصغي للسرد، لرأينا حولنا ما يحرّكنا في الكتب.
أعتقد أن رؤيته يتأثر فى فيلم فما زال قلبه سليم بعد، لكن الواقع يقيدك بمنطق كاذب ويحيل تحول بينك وبين مشاعرك، كأن تجد أحدهم يتسول ويرق له قلبك فتجد أخر يقول لك لعله كاذب، أو تجد الميديا تنشر أمور السرقة والخطف، فتجد كبير فى السن يطلب منك المساعدة فتعرض خشية أن تخطف .
هذه مشكلة اخرى قد أشرتِ اليها فعلا وهي المصداقية، ففي الرواية او الفلم نحن نعلم البريء الحقيقي والمزيف، الطيب والسيء.. لكن في الواقع صعب.
ربما هذا من بين الاسباب التي تجعلنا نحتار هل نتعاطف او لا فعلا!
برأيي من الجميل أن تساعد، ومن الجميل ان تحسن الظن، لأنك ستكافؤ على نيتك سواء كان من قدمتها اليها فعلا يستحقها او لا.
لكن هذا لا يمنع التعامل بعقلانية مع الموقف، مثلا ابعاد نفسك عن الاماكن المشبوهة او النائية، وإذا كان في الامر احتمال خطر عموما فتجنبه اولى، حتى لو كنت تشعر ان الامر حقيقي واثار عطفك وتريد المساعدة، لا تفعل لوحدك.. قدمها مع جماعة او ابلغ حالته لمجموعة خيرية