10

الكتب vs السوشيال ميديا: من يشكل وعينا اليوم؟

إنّ من يسيطر على الكتاب، يزرع في العقول ما لا يمكن للسلاح أن يفرضه بالقوة."

منذ اختراع الكتابة، ظلت الكتب أداة جبّارة في تشكيل وعي الإنسان، وتحريك الشعوب، وهدم أنظمة، وبناء حضارات. فهل نحن نُدرك فعلاً إلى أي مدى أثّرت الكتب في تغيير مجرى التاريخ الإنساني؟ وهل لا تزال تحمل هذا التأثير اليوم، في عالم تحكمه الشاشات والسرعة؟

كتاب "العقد الاجتماعي" للفيلسوف جان جاك روسو لم يكن مجرد كتاب نظري، بل كان شرارةً أشعلت الثورة الفرنسية. فقد مهّد لفكرة أن السلطة تنبع من إرادة الشعب، وليس من الملك أو الكنيسة.

في أمريكا، أثّر كتاب "كوخ العم توم" لهارييت بيتشر ستو على مشاعر ملايين الأمريكيين، وحرّك الرأي العام ضد العبودية، حتى أن الرئيس لينكولن قال لها: "إذن أنتِ السيدة الصغيرة التي بدأت هذه الحرب الكبيرة."

كتاب "مقدمة ابن خلدون" لم يكن مجرد دراسة في التاريخ والاجتماع، بل أسّس علم الاجتماع قبل أن يولد أوغست كونت بمئات السنين، وهو اليوم يُدرّس في أرقى الجامعات العالمية.

في العصر الحديث، ساعدت الكتب مثل "فن اللامبالاة" و"الأب الغني والأب الفقير" الملايين على إعادة النظر في مفاهيم النجاح والمال والحياة.

الكتب ليست مجرد صفحات جامدة بل كائنات حية تنمو داخل الوعي الإنساني، تتكاثر بالفكر، وتُورِّث القيم والرؤى. القراءة ليست ترفًا، بل ضرورة في تشكيل إنسان حر، ناقد، ومستنير.

لكن في عصر السوشيال ميديا، هل ما زالت الكتب تحتفظ بقيمتها؟ هل لدينا الصبر لنخوض رحلة فكرية بين دفتي كتاب، أم أن الثقافة أصبحت "وجبة سريعة" نتناولها من خلال فيديو مدته 60 ثانية؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

بالرغم من أن السوشيال ميديا قد سيطرت على معظم وسائل التواصل والانتشار السريع للمحتوى، إلا أن الكتب برأيي ما زالت تحتفظ بجمهورها الخاص، وهناك العديد من الأشخاص الذين لا يزالون يفضلون الغوص في عالم الكتب لأنه يقدم لهم تجربة فكرية معمقة لا يمكن تكرارها في مقاطع الفيديو القصيرة أو التغريدات السريعة، فالكتاب يمنح القارئ فرصة للانغماس في تفاصيل الأفكار والمفاهيم، ويعطيه مساحة للتفكير والتمعن بعيداً عن الضغوط الزمنية التي تفرضها وسائل الإعلام السريعة، والحقيقة أن هناك جمهوراً متعطشاً للمعرفة والعمق الفكري، وهم مستمرون في اكتشاف الكتب والتمتع بها كوسيلة للنمو العقلي والثقافي، فبين صفحات الكتاب لا توجد استعجال أو اختصار بل تأمل وتوسع للأفق.

أعتقد أن رأيك يحمل الكثير من الصحة. رغم الانتشار الواسع والسريع للمحتوى عبر السوشيال ميديا، لا يمكن تجاهل أن الكتب لا تزال تحتفظ بقيمتها، خاصة لأولئك الذين يسعون للغوص في أعماق الأفكار بعيدًا عن الضغوط الزمنية التي تفرضها وسائل الإعلام السريعة. فالكتاب يُعطي القارئ فرصة فريدة للتركيز والتأمل والتفاعل مع الأفكار بطريقة أكثر عمقًا وتركيزًا، بينما تقدم منصات السوشيال ميديا المحتوى بشكل سريع وسهل الهضم.

لكن، لا يمكن إغفال أيضًا أن السوشيال ميديا قد خلقت نوعًا من الثقافة الاستهلاكية التي تركز على السرعة، ما جعل البعض يفضل "الوجبات السريعة" من المعرفة على "الطعام العميق" الذي تقدمه الكتب. ومع ذلك، لا شك أن هناك جمهورًا خاصًا ما زال يقدر القراءة كأداة للتفكير النقدي والتعلم العميق.

من ناحية أخرى، لا أعتقد أن الكتاب سيختفي أو يفقد تأثيره في المجتمع. بل ربما يعيد العصر الرقمي تعريف العلاقة بين الكتاب والجمهور. يمكن للكتب أن تستفيد من هذه التطورات الرقمية عبر توفير محتوى مدمج بين الفيديوهات والقراءة الإلكترونية، ما يجعل القراءة أكثر جذبًا للأجيال الجديدة التي اعتادت على الوسائط السريعة. ربما يكون المستقبل مزيجًا من هذه الأدوات، حيث يتكامل العمق الفكري للكتاب مع سرعة السوشيال ميديا.

في النهاية، الكتاب يبقى له تأثيره العميق في تشكيل الفكر، لكن السؤال الأهم هو: كيف يمكننا دمج قوة الكتاب مع أدوات العصر الرقمي لنخلق تجربة معرفية متكاملة؟

إلا أن الكتب برأيي ما زالت تحتفظ بجمهورها الخاص، 

فعلا والدليل على ذلك أننا لا زلنا نحضر معارض الكتاب كل عام في أكثر من دولة عربية، ولكن قد نقول أن شكل الكتاب الورقي القديم لم يعد مثل السابق وربما أصبحت ألوان الأدب والكتابة حاليا لها أساليب جديدة تتماشى مع نمط الحياة السريع والمشاهد الخاطفة.

لها جمهور نعم ولكن مقارنة بجمهور السوشيال ميديا فهي نسبة صغيرة للغاية، ولو أردنا أن ننظر للتأثير فالتأثير الأصح والأقوى يكون حسب ما يلمس الأغلبية واليوم هو بكل تأكيد سيكون السوشيال ميديا ومن بعدها الفن أو المواد المرئية المعروضة على التلفاز والمنصات.

مشكلة الكتب أنها لم تعد تتناسب مع عصر السرعة والبحث عن المعلومة أو التأثير الفوري، غير أن الإبداع بها نقص وفي نقصان مستمر ليس كالسابق.

أعجبتني فكرتك عن أن الكتاب يمنح القارئ مساحة للتفكير والتأمل، وودي أضيف عليها إسقاط بسيط: لاحظت إن الناس اللي بتقرأ بانتظام، حتى وسط زحمة السوشيال ميديا، غالبًا بيكون عندهم قدرة أعلى على التحليل وربط الأحداث، مش بس لأنهم قرأوا، لكن لأنهم تمرنوا على الصبر الذهني والتأمل... وده شيء قليل جدًا تقدر تحصّله من فيديو سريع أو بوست عابر.

 الكتب ما زالت تملك ذلك التأثير العميق، لكننا نعيش اليوم في مرحلة انتقال ثقافي؛ لم تعد المعرفة حكراً على الكتب، لكنها أيضًا لم تفقد سلطتها تمامًا.

الاختلاف الآن في شكل التأثير؛ فالكتاب في الماضي كان وسيلة التغيير الأساسية لأنه الوسيلة الوحيدة تقريبًا لنقل الفكر العميق والمنهجي، أما اليوم، فالمعلومة تُقدم بصيغ متعددة فيديو، بودكاست، تغريدة، وحتى ميم ساخر.. ومع هذا، ما زال أصل الفكرة غالبًا يبدأ من كتاب.

كل المعلومات الموجودة عن السوشيال ميديا هي إعادة تدوير لمعلومات الكتب، فلا بأس إذا كانت هناك مصادر سريعة تواكب طبيعة العصر الذي نعيش فيه الآن.

أعتقد أن ردك يعكس رؤية دقيقة للمشهد الثقافي الحالي. فعلاً، نحن في مرحلة انتقالية حيث أصبحت المعرفة تُعرض بطرق متعددة وسريعة، وهذا يناسب إيقاع الحياة المعاصرة التي تتسم بالتسارع والضغط الزمني. ولكن، كما ذكرتِ، لا يمكن إنكار أن الكتب لا تزال تشكل المصدر الأساسي للأفكار العميقة والمفاهيم المتماسكة.

رغم ازدهار السوشيال ميديا والمحتوى السريع، فإن الكتاب يظل قادرًا على تقديم عمق لا يمكن أن توفره وسائل الإعلام الأخرى، سواء كان ذلك في نقاشات فلسفية معقدة أو تحليل اجتماعي دقيق. الكتب تمنحك المساحة للتأمل والتوسع في الفكرة بشكل قد يكون صعبًا في قالب مختصر مثل فيديو قصير أو تغريدة.

ومع ذلك، يمكن اعتبار السوشيال ميديا بمثابة أداة مكملة للكتب، تسرع الوصول للمعلومة وتساعد في نشر الأفكار بشكل واسع. لكنها في النهاية تظل "إعادة تدوير" لتلك الأفكار التي نشأت في الكتب. لذلك، الكتب لم تفقد قيمتها، بل أصبحت تشارك في المشهد الثقافي بشكل متوازن مع هذه الأشكال الحديثة من الإعلام.

الكتاب سيبقى رغم كل شيء، هو الملاذ الأصدق والأعمق لكل من يبحث عن المعنى لا عن الضجيج. صحيح أن العالم اليوم أسرع، والشاشات أقرب، والمعلومة أقصر، لكن الكتاب يظل وحده القادر على بناء الإنسان من الداخل ببطء وهدوء وعمق، تمامًا كما تصقل المعادن النفيسة عبر الزمن.

التاريخ يشهد أن الأفكار التي غيرت العالم، لم تولد في منشور عابر ولا في دقيقة فيديو، بل خرجت من بين صفحات كتاب، في عزلة كاتب، أو على طاولة قارئ متأمل.

وأظن أن كل ما يتغير حولنا من أدوات ووسائل، لا يمكنه أن يلغي جوهر الكتاب كوسيلة للعبور إلى الذات أولا، ثم إلى العالم ثانيا. بل ربما نحن اليوم أحوج ما نكون للكتب، لا لنجمع معلومات أكثر، بل لنستعيد تلك العادة التي تعلمنا الصبر، والتركيز، وإعادة التفكير.

الكتب ليست في منافسة مع التكنولوجيا، بل هي امتحان صامت لجدية الباحث عن المعرفة: هل يريد الحقيقة فعلا؟ أم مجرد لمحة منها؟

يبقى الكتاب كالصديق النادر، لا يفرض نفسه، لكنه حاضر لكل من يفتقد المعنى وسط زحام العالم السريع.

لكن يا عبد الرحمن أليست صناعة الكتب والتأليف اليوم مربوطة بالمبيعات؟ فماذا لو قلت المبيعات وقل الذين يبحثون على الهدوء على حد تعبيرك؟

في العصر الحديث، ساعدت الكتب مثل "فن اللامبالاة" و"الأب الغني والأب الفقير" الملايين على إعادة النظر في مفاهيم النجاح والمال والحياة

أتفق معك، إلا في هذه

في نظري هذان الكتابان أثّرا سلبًا على الناس وعلى حياتهم وجعل حياتهم = المال

النجاح = المال وبالتبعية الشهرة

في نظري هذان الكتابان أثّرا سلبًا على الناس وعلى حياتهم وجعل حياتهم = المال

أفهم وجهة نظرك تمامًا، وأنت محق في أن بعض الكتب قد تعزز مفاهيم معينة، مثل ربط النجاح بالمال، وهو ما قد يُصوّر حياة الإنسان وكأنها سباق مستمر نحو الثروة والشهرة فقط. ولكن في الوقت نفسه، من المهم أن نضع في اعتبارنا أن تأثير الكتب ليس مطلقًا؛ فقراءتها وتفسيرها يختلفان من شخص لآخر.

"فن اللامبالاة" و "الأب الغني والأب الفقير" قد يبدوان في البداية استاذ احمد، وكأنهما يعززان فكرة أن النجاح الوحيد هو النجاح المادي، لكنهما في جوهرهما يقدمان أفكارًا تتعلق بتحقيق الاستقلالية المالية والفكرية، وكيفية تبني مواقف غير تقليدية في الحياة. قد لا يتفق البعض مع هذه الرؤى، لكن من جهة أخرى، قد تكون هذه الكتب قد ساعدت الكثيرين على تحرير أنفسهم من الضغوطات الاجتماعية حول ما يُعتبر "النجاح" و"السعادة".

لكن هل تعتقد من وجهة نظرك، ان هذه الكتب لها دور في تشجيع الناس على التفكير بشكل مختلف؟

رغم طغيان السوشيال ميديا وسرعة المحتوى، لا تزال الكتب تحتفظ بمكانتها — ليس لأنها أكثر "حداثة" أو "جاذبية"، بل لأنها تُقدِّم ما لا يمكن لأي محتوى سريع أن يمنحه: عمق التجربة، تدرّج الفهم، والتكوين البطيء للعقل النقدي.

لكن المشكلة اليوم ليست فقط في انصراف الناس عن الكتب، بل في اعتقاد البعض أن ما يلتقطونه من مقاطع مختزلة أو اقتباسات مبتورة كافٍ ليمنحهم "الوعي الكافي"، وكأن الثقافة أصبحت تُقاس بعدد المشاهدات لا بعمق التأمل.

قد لا يكون التحدي أن نُعيد للكتب قيمتها، بل أن نُقنع الجيل الجديد أن بعض الكنوز لا تُستخرج إلا بالحفر الطويل، وأن المعاني العميقة لا تُقال في دقيقة، بل تُبنى على مدى مئات الصفحات.

ربما الحل يكمن في بناء جسور بين الوسيطين أن نستخدم السوشيال ميديا لا لترويج الكتب فقط، بل لتشويق العقل لاكتشافها. فيديو يلهمك لتقرأ لا ليختصر لك القراءة. اقتباس يدفعك للتساؤل لا للرضا السريع ، فالوعي لا يولد من عدد المنشورات التى نمررها، بل من عدد الأفكار التي نتوقف عندها. وإذا كانت الشاشات صنعت ثقافة اللحظة، فالكتب ما تزال تصنع ثقافة الذاكرة.

نعم ستظل الكتب تحتفظ بقيمتها لمن يعى أن طريق العلم والمعرفة ليس كائنا فى فديو مدته 60 ثانية، لكن فديو 60 ثانية قد يحكي لك فكرة تظل تبحث عنها وتدون لها الكتب.

ومن وعى هذا سيعلم أنه فى جهاد عظيم كى يجلس بين دفتى كتاب ليستخلص منه عبرة وحكمة تهديه الطريق

إن أول أية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم (اقرأ بسم ربك الذى خلق)

الذى يقرأ ويعمل العقل سيصل أو سيكون قنطرة لأخرون يأتون من بعده ليصلون، سيكون لبنة فى بناء عظيم، سيكون تثبيت لأخرون

حكى أحد الباحثين ذات مرة أنه كان يجلس فى مكتبة لأوقات طويلة، وكان طالب أخره ينظره أخبره أنه ظل يقرأ كثيرا لرؤيته إياه وهو جالس غارق فى الكتاب .

كلامك عميق جدًا، وعجبني تحديدًا تشبيهك للي بيقرأ إنه بيكون 'قنطرة' للي ييجي بعده. الفكرة دي بتفكرني بإزاي كل جيل بيبني فوق الجيل اللي قبله، لكن القراءة هي المفتاح اللي بيسلمنا الشعلة. هناك أوقات كتير ممكن فيديو يلهمنا، بس اللي بيكمّل الطريق فعلاً هو اللي عنده الجلد يقعد مع الكتاب، يتصارع مع الفكرة، ويفككها ويعيد بنائها جوا عقله. ده اللي بيخلي الإنسان مش بس قارئ، لكن صانع طريق.