كتاب وحي القلم: هل يمكن للقُبحِ أن يكون جميلاً؟

  • Moaz_Ahmed

"وليست العين وحدها هي التي تؤامر في أي الشيئين أجمل، فهناك العقل والقلب" هكذا جاء على لسان الأديب الرافعي في كتابه "وحي القلم" في مقاله بالجزء الأول بعنوان "قبحٌ جميل".

وقد تساءلت هل يمكن حقاً للقُبحِ أن يكون جميلاً؟

إننا في حياتنا الواقعية نرى كثيراً أن الغالبية العظمى ينجذبون إلى الأشياء التي تبدو للعين جميلة، ويحكمون عليها من منظور واحد فقط، وهو رؤيتهم لمدى جمالها ثم بعد ذلك قد يكتشفون أنهم قد خُدعوا تماماً بما رأوه من جمال خلاب.

وقليلاً ما نرى الناس ينجذبون للأشياء التي قد لا تبدو لهم جميلة، ولكن البعض على الرغم من ذلك ينجذب لها، إذ أنه يرى فيها جمالاً خفياً قد لا يكون جمال المظهر.

فما هو الجمال من منظورك الخاص؟ وهل يمكن للقبح أن يكون جميلاً؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

فما هو الجمال من منظورك الخاص؟ وهل يمكن للقبح أن يكون جميلاً؟

إذا كان الحكم على الناس فواضح أن جمال الظاهر لا يعني بالضرورة جمال الباطن، وجمال الباطن هو الأهم، أو كما يُقال الجمال جمال الروح، وهناك مثل مغربي يقول (الزين هو زين الافعال)، هذا يوضح أن الجمال هو جمال ما تفعله وحسن سيرتك مع الناس، لكن رغم اتفاقنا على هذا المبدأ إلا أننا من الصعب أن نطلق أحكام على باطن الناس دون أن نمر من الحكم على الظاهر منهم، لأن الظاهر منهم هو مايمكن أن يعطيك ذلك الانطباع الأولي، أما الباطن والمعدن الأصيل يظهر فقط بعد الاحتكاك والتعامل معه، وبالاحتكاك والمعاشرة أيضا يظهر قبح الجميل وفظاعته.

ولكن هل يمكن لقبح الظاهر أن يكون جميلاً في بعض الأحيان (إذا خالطه جمال الباطن مثلاً)؟

لبنان في الأفلام رائعة، جميلة، حلوة فعلاً، على أن كل الأفلام التي صوّرت لبنان كانت تصوّر الأماكن التي فيها خراب وتعب وإساءة ومناظر عشوائية ولكننا أثناء مشاهدة هذه المشاهد من هذه الأفلام التي توثّق وتصنع دراما في هذه الأمكنة تتحول في عيوننا إلى أماكن أليفة وحلوة نتمنى أن نعيش فيها يوماً، نهر بردى في دمشق من أكثر الأنهار المتواضعة في العالم، على الأقل بمروره من دمشق وجبل قاسيون جبل عادي، كتبت الكثير جداً من القصائد عن النهر والجبل في المدينة بشكل حوّلوا ذائقة الناس لترى هذه الأماكن على أنها قطع من قطع النعيم في الأرض! المدن كنيويورك وغيرها بكل ما فيها من اسمنت وآلات أيضاً غاية في السوء مع غياب اللون الأخضر الطبيعي ومع ذلك نراها من أحلى بلدان العالم، بيوتنا المعزولة عن السماء أيضاً ذات الشيء، هذا دأب الإنسان أصلاً في آخر مئة سنة برأيي، هو يحوّل معايير الجمال الأصلية المتعارف عليها وينتج أمور أصيلة لم تكن متواجدة قبلاً ويسميها جمال ويقتنع فعلاً بجمالها.

إذاً ما هي معايير الجمال الحقيقي من وجهة نظرك؟

برأيي معايير الجمال هي كمعايير العالم تماماً الذي نتبناها، فمثلاً نحن لدينا أن العادي يجب أن يكون هناك جاذبية تجذبنا للأرض وهذه معابيرنا ونظرتنا للعالم، على أن الحقيقة هي أن العالم كله بلا جاذبية تشبه كوكبنا. هذا بالضبط رأيي أيضاً فيما يخص الجمال، أن المعايير نحددها نحن، كل بيئة وكل دولة وكل منطقة وكل حارة وكل شخص يحدد معاييره الجمالية وفقاً لما عاش من تجارب وما يهتم من مواضيع وما يحب من مناظر، لا احتكار لمعايير محددة في هذا الباب.

كتب احد الاصدقاء على المنصة مشاركة من عدة ايام بعنوان "تصدير الجمال"، واعتقد أن تلك الفكرة هي السائدة حاليًا إذ تقوم وساذل الإعلام ومنصات التواصل بتصدير أفكار خاصة بالأشخاص الأكثر تأثيرًا ليصوروا لنا فكرتهم ومفهومهم الخاص عن الجمال وبمواصفات معينة، وبنفس الفكرة يطلقون تصورًا عن الحياة الناجحة ورجل الاعمال القوي والمقاتل البطل الذي يأخذ حقه بيده دون اللجوء للقانون، وهكذا، وإن كنا لا نملك نفس وجهات النظر عن الحياة فإننا ومع استمرار التعرض لتلك المفاهيم نظل محتفظين بنفس الصور النمطية في أذهاننا.

الجمال في وجهة نظري هو مزيج بين شكل مقبول تراه العين وروح حلوة تبعث الإيجابية، وقلب طيب يحب الناس، اما ما نراه على الشاشات ويصوره الكتاب فهو بعد عن الواقع.

هذه هي الفكرة، لأننا أصبحنا في عصر الثورة التكنولوجية فإن معايير كل شيء قد زادت وأولها الجمال مما يؤثر بشكل كبير على الجمهور وخاصة الشباب الذين سيكون مطلوبا منهم زيادة متطلبات العمل حتى يحقق التوقع المطلوب منه مما سيؤثر على صحته وحياته وغير ذلك من الأمراض التي نراها.

فما هي معيير الجمال الحقيقي من وجهة نظرك؟

ولكن ماذا عن أن يكون الجمال في بعض الأحيان هو قبحٌ بما يراه الناس.

فهل يمكن للقبحِ أن يكون جميلاً؟

أنا أعامل الحياة بشكل عام على أن لكل جانب جميل فيها جزء قبيح، وليس العكس بصحيح. لذلك لا اتفاجئ إن رأيت جانبًا قبيحًا من شيء أو شخص فأنا لم أرفع توقعاتي من البداية، وأحيانًا تكون تلك الجوانب الناقصة معطية جمالًا أكثر

فالنقص أشبه بالكمال من الكمال كما قال الشاعر تميم البرغوثي، وحتى في مقاييس جمال الوجه السطحية مثلاً نجد أن بعض غياب التماثل يكون أجمل من تواجده بشكل مثالي

ولكن لماذا لا يمكن أن يتضمن القبح جمالاً؟

فمثلاً الأدوية مارة ولكنها مفيدة.

والمرارة نوع من القبح، والعلاج نوع من الجمال.

ألا تتفقين معي؟

أتفق معك بالطبع. عكس الجملة بالنسبة لي كان أنه ليس كل القبح به جمال

فهناك قبح يجب أن يعامل كقبح فقط وايجاد مواطن الجمال فيه أحيانًا يظلمه. مثل الفقر والحروب وغيرها

لكن بعض القبح به جمال بالتأكيد وجزء من احتمالنا له هو ايماننا بأنه يستحق أن نتحمله في سبيل هذا الجمال وحتى لو لم تكن أمثلة مفيدة كما ذكرت فالنقص يكون أحيانًا أكمل من الكمال لذلك لا أعارض المعنى ولكن افتراض أن كل القبح بداخله الجمال هو ما لا أقبله كثيرًا

لا اظن أن القبح قد يكون جميلاً من وجهة نظري، طبقاً لما شرحته، أما ما قلته أنه هناك جوانب خفية تجعل بعض الناس ينجذبون إليها فهذا أمر آخر. فمثلاً هناك امرأة لا تبدوا رائعة الجمال بمقاييس الجمال التقليدية، ولكنها قد تمتلك حسن الفكاهة، الطيبة، الأخلاق، الثقافة غيرها من الصفات التي يرى البعض أنها أهم من الجمال الشكلي وهذا أمر آخر

وأزيد على ذلك، أنه منذ عقود ظهر ما يعرف ب"جماليات القبح" وهو يمثل أحد فروع علم الجمال..

حيث يرى مناصروا ذلك المصطلح أنه يمكن للأشياء القبيحة أو المشوهة أن تصبح محوراً لأعمال تنتمي إلى الفنون الجميلة وتكون ممتعة أيضا!

وهذا ما صرح به الفيلسوف امانويل كانط حين قال "الفن ليس تصويراً لشيء جميل، وإنما تصوير جميل لشيء ما، كيفما كان هذا الشيء"

صحيح مائة في المائة