جهنمية الحياد

"إن أحلك الأماكن في الجحيم هي لأولئك الذين يحافظون على حيادهم في الأزمات الأخلاقية"



قرأت هذه العبارة قبل عام في مطلع رواية الجحيم للروائي الأمريكي "دان براون" وهي عبارة عن بيت شعر للشاعر الإيطالي دانتي، الذي ورد في كتابه الشهير الكوميديا الإلهية، وقد بقي هذا البيت عالقاً تماماً في ذهني.

ففي الرواية مثلًا يطرح الكاتب دان براون مشكلة الانفجار السكاني بقالب شيق ومليء بالمعلومات التاريخية والأدبية والحقائق الحالية في العالم، ويقوم أحد العلماء المهووسين بصنع مادة تسبب فناء جزء كبير من الناس، ووضعها في النهر ليتجرعها المواطنون دون علمهم وقد كان بطل الرواية يحاول فهم طريقة عمل المادة ومحاولة منع هذا العالم من نشر المادة، وهنا تبرز المشكلة الأخلاقية التي لم يستطع البطل الوقوف على الحياد إزاءها.

وبالعودة إلى البيت الشعري فإن السؤال الذي شدني هو: متى يكون الحياد أبشع من الظلم ذاته؟ كيف يمكن للحياد "الموقف السلميّ" أن يتحوّل إلى فعل مشين، يستوجب الجحيم؟ 

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

تفاعلك السلبي مع الفعل الشنيع هو جريمة بحد ذاتها. فقد قيل: " الساكت عن الحق شيطان أخرس".

السلبية و اللامبلاة و مبدأ " أنا و الطوفان من بعدي"...سلوكيات تشجع الظالم على الاستمرار في ظلمه و تحفز المستبد على الزيادة في الجور و الاستبداد.

إن كان الخوف هو من وراء عدم التفاعل، فقد أتفهم حساسية الموقف. أما أن تغض الطرف عن الظلم فقط لأنك لا تكترث و لا يهمك الأمر،فأنت و الجلاد شركاء.

حتى و إن كنت خائفا أو ضعيفا فيكفيك شرف الدعاء، و ذلك "...أضعف الإيمان" أو كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم.

أعتقد أنك فهمت فكرتي تمامًا بالضبط هذا ما عنيته.

سلوكيات تشجع الظالم على الاستمرار في ظلمه

وهذا ما يجعل موقف الحياد بطريقة ما يفاقم الظلم القائم فيصبح الشخص المحايد حليفًا للظالم بطريقة غير مباشرة.

أكلت يوم أكل الثور الأبيض، قصة قديمة رويت لنا في سني الطفولة، عن ثلاثة ثيران،ثور أسود، وثور أحمر، وثور أبيض، وأسد قرب مكان عيشهم ومرعاهم، كان الأسد يتربص بهم ليفترسهم، إلا أنه في كل مرة هجم على أحد الثيران الثلاثة، كان الثوران الآخران يقفان في صف أخيهما ويردعان الأسد، حتى بدا للأسد الماكر حيلة أخرى يلتهم بها الثلاثة كل على حدة.

تربص الأسد للحظة يكون فيها الثور الأبيض بعيدا عن الثوران الأحمر والأسود، واقترب منهما، وطلب منهما أن ينصحهما نصيحة، وأنه هذه المرة لن يحاول أن يفترس أي منهما، بل جاء لهما ناصحا أمينا.

فقال لهما، إن الثور الأبيض يظهر بوضوح في ظلمة الليل الحالك، وإن الصيادين يرونه حين يأتون للبحث عن صيد ثمين، وإني أرى أن تخلياني فأقتله، فأبعد عنكما وعني شر الصيادين . وافق الثوران ، ولسان حال كل منهما يقول، لا علاقة لي الآن، المهم أن يسلم رأسي من الصيادين والأسد، ومعي ثور آخر أحميه ويحميني، فهجم الأسد على الثور فافترسه، ثم أكله.

وبعد مدة، عاد الأسد إلى الثور الأحمر، يوسوس له كشيطان ماكر، أن الثور الأسود مثل لون الليل الحالك، وأنه مختلف اللون عن الأسد والثور الأحمر، وإن الأسد يرغب أن ينصب نفسه ملكا على الأسود، ويكون للثيران والمرعى ملك، فإنه يرى أن ملكا مثل لونه، يمكنه أن يعقد معه سلاما دائما ، وما كان من الثور الأحمر، إلا أن قال : سلم رأسي، وهذا الأسد يريد الصلاح لي، فوافق فانقض الأسد على أخيه وقتله، ثم انفرد بالثور الأحمر، وقال : قد جاء دورك أيها الأبله، فردد الثور الأحمر قائلا :

أكلت يوم أكل الثور الأبيض

إن هذه تاقصة البسيطة تلخص ما عنيته، فرغم عدم اشترك الثور الأحمر والأسود في قتل الثور الأبيض، إلا أنهما بوقوفهما على الحياد خسرا حياتهما.

لا أستطيع أن أتقبّل الحكم للأسف، لأنني أرى أن مسألة الحياد في الزقت الحالي لا تنم بالضرورة عن رفض موقفين أو الوقوف على مسافة واحدة منهما، وإنما قد تنم عن الخلط المستمر بين المعايير، وهي معضلة شائعة في عصرنا الحالي الذي لم يعد صالحًا للمواقف الفارسية، فالعالم قد وصل إلى درجة من التعقيد تدفعنا في معظم الأحيان إلى الوقوف على مسافة واحدة تجاه الجميع، لأننا ببساطة لا نمتلك القدرة على تمييز الظالم من المظلوم، فالأزمات السياسية على سبيل المثال لا نستطيع في صددها أن نتخذ موقفًا معينًا في معظم الأحيان نظرًا لما نراه أمام أعيننا من مشكلات يتورّط فيها طرفا النزاع، بشكل عام وفي أي سياسة وتحت مظلة أي دولة، فلا يمكنني أن أطالب من يتضرّر من كلا الطرفين أن ينحاز إجبارًا إلى أحدهما.

بالتأكيد إن الوقت الحالي صعب جدًا، ولكن إذا ما ابتعدنا عن الأمور السياسية قليلًا، فإن الكثير من الأشخاص المؤثرين قد بلتزمون بالحياد حتى في مواقف إنسانية ظنًا منهم أنهم أشخاص موضوعيين، وهذا ما يفاقم سوء الوضع الإنساني في قضية ما .

قرأت في كتاب التفكير المستقيم والتفكير الأعوج عن ظاهرة تسمى الانسلاخ الأكاديمي

حيث يقرر الشخص المثقف أو العلمي أنه لن يختار بين طريقين لأنه لا يملك كفاية من المعلومات التي قد تغير رأيه ولأن لكل طريق مميزاته وعيوبه إلخ من هذه المبررات الحيادية.

كنت أفكر أحيانًا بهذه الطريقة ولكن هذا الكتاب صدمني في وجهة نظره حيث واجهني بأن الحياد لا يوصلنا لأي مكان في الواقع. ربما لا يكون لديك فكرة حول أمر ما ولا تهتم وهذا طبيعي وربما تكون مائلًا لأحد وجهات النظر ولا يوجد صحيح أو خاطئ ولكن أن تقول أن جميعها صحيحة وأنك تتبناها بحياد في نفس الوقت هو أمر خاطئ لا يوصلك لأي مكان.

فلتختر منهما إن أردت أن يكون لك رأي في الموضوع ولتسبح في تياره ربما تغير رأيك في المنتصف لكنك تكون قد تعلمت الكثير والكثير من البقاء على الضفة فقط!

الكاتب كاتب روائي ولذلك بالغ في وصفه وأنا أتفهم هذا ولا أرى الأمر متطرفًا لدرجة الجحيم ولكنه من سبل التفكير الأعوج التي أحيانًا قد نعتقد بها أننا أفضل ممن أختاروا طريقًا واحدًا وتركوا الأخر وهذا ليس صحيحًا دائمًا.

أوافقك الرأي تمامًا، فالذي صنع التاريخ والحضارة هو الأفكار والتوجهات التي يتبناها بنو الإنسان، والبقاء على الضفة لا يفيد بشيء بل بالعكس يمكن أن يمنح الظالم إيجازًا بالتطاول وزيادة ظلمه وطغيانه.

ولا أرى الأمر متطرفًا لدرجة الجحيم ولكنه من سبل التفكير الأعوج التي أحيانًا قد نعتقد بها أننا أفضل

أتفق معك في هذه النقطة كذلك، وسأحاول قراءة هذا الكتاب في القريب العاجل

في بعض المرات نقف عند حدث ما، ويكون لنا دورا يجب القيام به، لكننا نبحث عن سلامتنا أولا، ونلتزم الصمت وهو المرادف لمفهوم "الحياد" .

حين يكون الموقف ظلم وقع على شخص ويمكنك ان ترفعه عنه او تشهد بتعرضه له، فلا تهرب من مسؤوليتك. ولا تقف مكتوف الأيدي. هناك شخص تمتهن كرامته وتسرق حريته ويتأذى. فالحياد هنا ظلم بشع له وموقف سلبي مشين .

لكننا نبحث عن سلامتنا أولا

بالتأكيد في بعض الأحيان نكون مجبرين على الوقوف على الحياد، ولكن من الضروري أن لا نعتبر موقف الحياد منهجًا حياتيًا يجعلنا نسكت عن الظلم.

Shimaa_Mahmoud11 أضف ردا

الحياد لعبة الأوغاد

قرأت منذ فترة هذه المقولة وأتفق معها كثيرًا، خاصة في المواقف الصعبة والأخلاقية التي تحتاج إلى موقف محدد وصريح. صحيح إن المحايد لم ينصر الباطل ولكنه خذل الحق، ولذا فإن الحياد هو معنى اخترعه الأشخاص الضعفاء لإبعاد أنفسهم عن المشاكل التي تدور من حولهم، وكأنهم ليسوا جزءًا من هذا المجتمع.

الموقف الوحيد الذي أرى الحياد فيه واجبًا هو موقف الإعلاميين عند عقد مناظرة بين طرفين، أما غير ذلك فهو ضعف شخصية لأن هذه الأحداث إن لم تتعلق بالشخص تعلقًا شخصيًا، إلا أنها مرتبطة به عقائديًا وأيدولوجيًا.

 المحايد لم ينصر الباطل ولكنه خذل الحق،

بالضبط هذا ما أردت إيصاله.

شكراً زينة على إحالتي لهذه المساهمة المميزة والتي تطرح قضية مهمة بالنسبة لي أنا شخصياً .

متى يكون الحياد أبشع من الظلم ذاته؟ كيف يمكن للحياد "الموقف السلميّ" أن يتحوّل إلى فعل مشين، يستوجب الجحيم؟ 

الحياد بين الحق والباطل .. الخير والشر .. العدل والظلم هو حياد سام وغير أخلاقي، بعيداً عن مساواتك للجانبين بوقوفك بينهم محايداً أنت هنا تجرئ الظالم على ظلمه، تجرئ القاتل على أن يسرف في القتل كونه لم يجد اللوم والعتاب على فعله، وتكون بذلك قد كسرت شوكة المظلوم الذي يراك وأنت تشاهد ما يتعرض له من ظلم ولا تتخذ موقفاً ولا حتى تعاطف !

الحياد في رأيي يكون في أحيان كثيرة جبن وهروب من الشخص نفسه، الذي ينأى بنفسه عن الطرفين ويتخذ موقفاً آمناً يجنبه المواجهة مع أحد الأطراف، هذه الإستراتيجية قرأتها في كتاب الأمير، فعندما يكون هناك نزاع بين قوتين يمكنك ببساطة إعلان موقفك الحيادي حتى لا تتضرر من فوز احد الأطراف أو خسارته .

سعيدة لأنها نالت إعجابك.

الحياد يمكن أن يكون له أسباب كثيرة، فيمكن أن يتخذ الحياد موقفًا بسبب التضليل الذي يقع تحت تأثيره من يحاول الخروج على القطيع، وبالتالي فيظن أنه لكي يكون مثقفَا أو متمردًا أو واعيًا عليه أن يتقبل كل شيء.

ويمكن أن يكون الحياد خيارًا ذكيًا كما يرى ميكافيلي إذ يقي الشخص شر الأطراف المتنازعة ويمنحه أفضلية اختيار طرف ما فيما بعد.

وقد يتكون الحياد نتيجة عدم القدرة على التغيير أو إعلان الموقف من أمر أو قضية ما.