حين نتحدث عن التطور العلمي الحديث، لا يمكننا أن ننفي الثورة التي أحدثها العلم في فهم الإنسان، حيث قسّمه إلى قسمين: نفسي وفيزيائي جسدي. وعلى عكس الفيزيائي الجسدي الذي هو واضح ومبني على منطق 1 + 1 = 2، فإن النفسي هو من أعقد الأشياء في الإنسان، لأنه البصمة الفريدة لكل شخص. ورغم وجود عدة تصنيفات وتقسيمات تحاول توحيد البشر تحت أنماط سلوكية معينة، غير أن كل تلك الأنماط غير كافية للوصف الدقيق للشخص، لأن الإنسان بطبعه شخصيتُه ونفسيتُه عبارة عن متغيّر يتغير بحسب المتفاعلات.
وهذا ما يدفعني لطرح سؤال أساسي: كيف يفهم كل إنسان العالم؟ لأن ذلك هو الذي يؤثر على انفعالاته الأساسية كالغضب والسعادة والحزن، وهو الذي يؤدي إلى أمراض نفسية كالاكتئاب الذي ينتج عن عدم إحساس الشخص بأنه ذو قيمة. وتحديد تلك القيمة أصلاً يختلف من شخص إلى آخر.
وهذا يدفعنا للبحث في النظام الاجتماعي الحديث: مما يتكون؟ فتجد أنه يتكون من ناجحين مادياً، وآخرين دينياً، وآخرين نفسياً وغيره. وكل ناجح يرى آخرين فاشلين في المجال الذي هو ناجح فيه، لكننا لم نسأل كيف استطاع ذلك الشخص تحقيق ذلك النجاح. وقيمة النجاح تختلف من شخص إلى آخر — كلما زادت فجوة النقص، زادت فجوة تعظيم النجاح.
فكل إنسان يولد بقدرة خام، لكن من يستطيع العيش في راحة وتعايش هو من يعرف قدراته ويتقبّلها وينمّيها. لأنك إن فككت كل نجاح ستجد نقطة أساس بُني عليها كل شيء، كالتعلم السريع، أو التكيّف السريع، أو التحليل الحاد، وعدة عناصر أخرى.
ومع الصدمات ومختلف مواقف الحياة، تتكوّن طبقة الوعي الثاني، المبنية على السببية التي يقوم عليها الكون كله، وهي التي تشكّل المنطق الفردي — وهو مجموعة من الأفكار والمسلّمات والتجارب والقصص واللقطات المرئية. ولهذا يختلف المنطق الفردي عند كل إنسان؛ فالملحد يقول إنه لا وجود للإله، والمتدين يقول إنه يوجد إله — كل واحد منهم ذو منطق فردي مختلف لا يشبه منطق شخص آخر.
أما المنطق الجماعي فهو مجموعة الأفكار المشتركة بين منطق فردي لفئة معينة، كأن تسقط كأسٌ زجاجية فتنكسر — هذا منطق جماعي بنسبة كبيرة. وهذا المنطق الجماعي هو النواة المحركة للاقتصاد وكل المجالات.