المقدمة

في هذا المقال سنتكلم عن ظاهرة الإلحاد في عهد الحضارة الإسلامية، وكان الإلحاد قديمًا يعني إنكار الأنبياء والنبوات، وليس إنكار الإله. وكانت هذه الظاهرة بسبب تأثر بعض المسلمين ببعض الفلسفات الهندية، خاصة فلسفة البراهمة. وكان رأس هذه الطائفة اثنين:

ابن الراوندي

وأبو بكر الرازي

من هو ابن الراوندي؟

وُلد أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، المعروف بابن الراوندي، في عام 210 للهجرة. ويُعد من الشخصيات الجدلية في التراث الإسلامي بسبب تقلباته الفكرية وانتقاداته الجريئة.

في بداية حياته، يُقال إنه كان على اليهودية، ثم أعلن إسلامه في وقت كانت فيه الدولة العباسية في أوج قوتها، فانخرط في الحياة الفكرية الإسلامية. واتجه إلى مذهب المعتزلة، الذي كان قريبًا من دوائر الحكم آنذاك، وألّف عددًا من الكتب مدافعًا عن أفكارهم.

لكن علاقته بالمعتزلة لم تستمر طويلًا، إذ شعر بعدم تقديرهم له، فانقلب عليهم وهاجمهم في كتابه المعروف «فضيحة المعتزلة»، الذي نقض فيه كتاب الجاحظ «فضيلة المعتزلة». وقد أثار هذا الهجوم ردود فعل قوية من علماء المعتزلة ضده.

وبعد اشتداد الخلاف، يُروى أنه لجأ إلى بعض الفرق الشيعية، خاصة الباطنية، وكتب لهم كتابًا بعنوان «في الإمامة» ينتصر فيه لآرائهم. ثم حاول التقرب من أهل السُّنة، فألّف كتابًا بعنوان «في التوحيد»، لكن دون أن يحقق ما كان يطمح إليه من مكانة.

لاحقًا، ومع استمرار الصراعات الفكرية، يُقال إنه خرج عن الاتجاهات الإسلامية المختلفة (السُّنة والشيعة)، واتجه مرة أخرى إلى اليهودية، فألّف كتاب «البصيرة» مدافعًا فيه عنها وناقدًا للإسلام.

وفي المرحلة الأخيرة من حياته، تطور موقفه إلى نقد شامل للأديان، حيث ألّف كتبًا تُهاجم النبوة والرسالات، من أشهرها:

«الفرند»: طعن فيه في النبوة والأنبياء.

«الزمردة»: انتقد فيه الرسالات السماوية وشكك في الألوهية.

وقد أثارت أفكاره ردودًا واسعة من معاصريه، فتصدى له عدد من علماء المعتزلة، مثل أبو الحسين الخياط وأبو علي الجبائي، وردوا على آرائه ونقضوا كتبه. وتوفي ابن الراوندي عام 298 للهجرة.

الأدلة التي استند إليها ابن الراوندي في إنكار النبوات أربعة أدلة، وهي في الواقع أدلة البراهمة في إنكار النبوات، وقد ذكر ذلك الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل»:

الدليل الأول

إن الرسول إما أن يأتي بما يوافق العقول أو بما يخالفها؛ فإن جاء بما يوافق العقول، لم تكن إليه حاجة، ولا فائدة فيه، وإن جاء بما يخالف العقول، وجب ردّ قوله.

الدليل الثاني

قد دلّ العقل على أن الله تعالى حكيم، والحكيم لا يتعبد الخلق إلا بما تدل عليه عقولهم. وقد دلّت الدلائل العقلية على أن للعالم صانعًا عالمًا قادرًا حكيمًا، وأنه أنعم على عباده نعمًا توجب الشكر. فننظر في آيات خلقه بعقولنا، ونشكره على آلائه علينا، فإذا عرفناه وشكرناه استوجبنا ثوابه، وإذا أنكرناه وكفرنا به استوجبنا عقابه. فما بالنا نتبع بشرًا مثلنا؟!

الدليل الثالث

قد دلّ العقل على أن للعالم صانعًا حكيمًا، والحكيم لا يتعبد الخلق بما يقبح في عقولهم. وقد وردت أصحاب الشرائع بمستقبحات من حيث العقول، كالتوجه إلى بيت مخصوص في العبادة، والطواف حوله، والسعي، ورمي الجمار، والإحرام، والتلبية، وتقبيل الحجر الأصم، وكذلك ذبح الحيوان، وتحريم ما يكون غذاءً للإنسان، وتحليل ما يُنقص من بنيته.

الدليل الرابع

إن أكبر الكبائر في الرسالة اتباع رجل هو مثلك في الصورة والنفس والعقل، يأكل مما تأكل، ويشرب مما تشرب... فأي تميّز له عليك؟ وأي فضيلة أوجبت اتباعك له؟ وما دليله على صدق دعواه؟

كتاب «الزمردة» لابن الراوندي

من هو أبو بكر الرازي؟

وُلد أبو بكر الرازي عام 260 للهجرة في مدينة الري، وكانت معقل العلم والعلماء حينئذ. اعتنى بالطب والكيمياء حتى لُقّب بأبي الطب العربي وجالينوس العرب، وكان ذكيًا فطنًا وبارًا بالمرضى.

ولكننا نهتم هنا بأبي بكر الفيلسوف؛ فقد كتب كتابين في مسألة إنكار النبوات، هما «مخاريق الأنبياء» و«حيل المتنبئين». وهناك من شكك في نسبة هذين الكتابين إليه، ولكن هذين الكتابين ثابتان له وضوح الشمس في النهار؛ فقد ذكرهما ابن النديم في «الفهرست»، وذكرهما البيروني أيضًا. وكان أبو حاتم الرازي من أشهر من ردّ على ما ورد فيهما.

أدلة أبي بكر الرازي على إنكار النبوات ثلاثة:

الدليل الأول

إن الرسول إما أن يأتي بما يوافق العقول أو بما يخالفها؛ فإن جاء بما يوافق العقول، لم تكن إليه حاجة، ولا فائدة فيه، وإن جاء بما يخالف العقول، وجب ردّ قوله.

الدليل الثاني

إن أكبر الكبائر في الرسالة اتباع رجل هو مثلك في الصورة والنفس والعقل، يأكل مما تأكل، ويشرب مما تشرب... فأي تميّز له عليك؟ وأي فضيلة أوجبت اتباعك له؟ وما دليله على صدق دعواه؟

الدليل الثالث

هو تناقض دعوى الأنبياء؛ فيقول: ما دام مصدر الوحي واحدًا وهو الله، فلماذا توجد اختلافات بين الأنبياء؟ فتجد أن عيسى زُعم أنه ابن الله، بينما زعم موسى ومحمد أنه لا ابن له، كما تجد أنه في القرآن لم يُصلب عيسى، بينما في المسيحية صُلب.

الخاتمة

يتضح من هذا العرض أن ظاهرة إنكار النبوات في الحضارة الإسلامية لم تكن إنكارًا لوجود الله بقدر ما كانت جدلًا عقليًا متأثرًا بفلسفات خارجية.

كما يظهر أن شخصيات مثل ابن الراوندي وأبو بكر الرازي لعبت دورًا بارزًا في إثارة هذا الجدل، مما دفع العلماء إلى الرد عليهم.

وفي النهاية، يعكس هذا الصراع الفكري حيوية العقل الإسلامي وقدرته على النقاش والرد في مواجهة مختلف الاتجاهات.

المصادر

مقال «أحفاد ابن الراوندي» للدكتور يوسف زيدان، مجلة أكتوبر، 1994

«الملل والنحل» لـ الشهرستاني، مكتبة الشاملة، الجزء الثالث، ص 96

«الإلحاد في تاريخ الإسلام» للدكتور عبد الرحمن بدوي

«أبو بكر الرازي الفيلسوف العبقري» لـ كامل محمد عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 21–22