العكس المقلوب
بقلم: عبدو بليبل
في بداياتِ الحياةِ كان النورُ...
همَّ من مكمنِهِ فمشى، وكان النورُ رمزًا من رموزِ الحقيقة؛ رمزًا للصدقِ ورمزًا للعدالة.
ولكن، ومن دونِ درايةٍ منهُ وتبصُّر، غاص في بحرِ الظلمات، وهوى في أعماقِ الكذبِ والاحتيال... حتى صار الصدقُ كذبًا، والحقُّ جريمة.
وكذلك فعل الكذبُ، وهو رمزٌ للجهلِ والظلامِ والمكر؛ فخرج من كهفِهِ الأسودِ القاتم كماردٍ جبّار، حيثُ خضع له الجميع، فهم يحبّونه ويحترمونه. هو يشبه الملوكَ والحكامَ والسلاطين، هو قاتلٌ محبوب، ومجرمٌ لكنه حاكمٌ مرغوب. الناسُ تُصفّق له، وتُضحّي بكلِّ شيءٍ من أجله.
هو الموتُ بغلافِ الحياة، هو البُغضُ بثوبِ الحب، هو الظلمُ متنكّرًا بوجهِ الرحمة. والناسُ خرافٌ ونعاج، تُساقُ إلى المرعى بواسطةِ ذئبٍ متنكرٍ بجلدِ كلبٍ أليف. فكلما عوى، سارتِ النعاجُ إلى مصيرها بأمرٍ من الحاكم، كأسدٍ ينتظرُ فريسة.
وهكذا تشكّلت الحياةُ مخادعةً، تسيرُ عكس الحقيقة وتسبحُ عكس التيار. فهذا رجلٌ محبوب، يسرقُ في عتمةِ الليلِ من مالِ الفقراء خبزَهم وطعامَ أطفالهم، ثم يستيقظ في الصباح مرتديًا رداءَ المحبة، ملابسُهُ جميلة، وطلّتُهُ بهيّة، ووجهُهُ باسم.
ثم يأتي الفقراء ذاتُهم، يعملونَ في حقولهم التي استولى عليها بمكرهِ ودهائه، حيثُ سرق خبزَهم في دجى الليلِ العميق. وفي المساء، كان أجرُهم القليلَ من المال... والمالُ كلّهُ مالُهم! ولكنهم حمقى لا يدركون؛ يشكرون ظلمَه وغدرَه، ويقبّلون يديه الملوّثة بالدماء، ويقولون:
"أنتَ ملكُنا العظيم، نحنُ طوعُ أمرِك... نحنُ خدمُك، نحنُ عبيدُك، افعل بنا ما تشاء. فأنتَ الحاكم، وأنتَ النبيل، وأنتَ بفضلكَ نأكلُ ونعيش. ومن دونك نحن أموات، ومن دونك نجوع ونهلك. فنشكر الله ألفَ مرّة ومرّة على وجودك بيننا."
فالناسُ عبيدٌ للظلم، عبيدٌ للكذب، عبيدٌ للمكر.
وهكذا... ثم هكذا... تاهت الحقيقةُ كلُّ الحقيقة، في ظلمةٍ شديدة؛ فلم تعُد تدركُ من هي، ومن أين أتت، وما الذي جرى لها. وهكذا تفردتِ الظلمةُ بالنور، حيث يقبعُ الكذبُ فرحًا في أعماقه، وعلى رأسهِ تاجٌ من الماسِ والياقوت.
اختفى الحقُّ، ولم يعُد له أثرٌ إلا كسرابٍ نراه من بعيد؛ لا نلمسه، ولا نتفحّص أعماقَه وخفاياه، ولا نشعر به كقوةٍ هائلةٍ تحمينا من هاجسِ الشر المنتشر في الأرض كالوَباء.
*************
كان هناك مكوّنان أساسيّان للحياة، متناقضان متحاربان؛ لا يحبُّ أحدُهما الآخر.
فالصدقُ كان ناعمًا جليلًا، مفعمًا بالبياضِ والنور.
أمّا الكذب... فكان بارعًا في التنكّر، يتلوّن كأفعى تتراقص بين الأعشاب، يبني عرشَهُ على رغباتِ العيون، لا على يقينِ القلوب.
ومرّتِ الأيامُ كمرّ السحاب... وفي ليلةٍ بلا نجوم، وبلا قمر، تقدّم الكذبُ خلسةً نحو أرضِ الصدق. لم يرفع سيفًا، بل ارتدى الملابسَ الفخمة، وتكلّم بلسانِ ممثلٍ بارع، وقال للناس:
"أنا الحقيقةُ التي تأخّرت عنكم... أنا المحبةُ بكلّ ما فيها... أنا الصدقُ، وأنا النورُ الذي يطرد الظلمةَ فينيرُ دروبكم."
فصدّقوه، واستقبلوه بالورود والفُل والياسمين، وعلّقوا على صدرِه مفاتيحَ رقابِهم.
وفي الجهة المقابلة...
خرج الصدقُ دون نعيقٍ ولا صراخ، كمن غادر بيتَه دون أن يُغلقَ الباب، خرج لينشرَ الحقَّ وينيرَ الدرب.
ولكن، وفي لحظةٍ فاصلة، دخل عليهما القدر. كان لا يزالُ نقيًّا، لا يعرفُ الزيفَ من المظهر. نظر إلى العروش، فسأل:
"مَن منكما الصدق؟"
فقال الكذبُ، وهو جالسٌ على وسادةِ المجد:
"أنا، وهذا شعبي يشهد لي."
وقال الصدقُ، من ظلِّه البعيد:
"وأنا... منفيٌّ لأنني لم أتعلم الكذب."
فصمت القدر...
ابتسم كمن أدرك سرًّا، وقال:
"العرشُ مقلوب، والعيونُ مخدوعة... من أراد الحقيقة، فليخلع عدسةَ الزيفِ من قلبه، لا من عينه."
ومنذ ذلك اليوم… لم تعُد الحقيقةُ تُهدى، بل تُكتشَف.
وصار الكذبُ مزدانًا بالبريق، والصدقُ يتسلّل كأنفاسِ الأرواحِ الهاربة من الضجيج.
لكن الحقيقة، رغم كلِّ شيء، لم تَمُت...
هي فقط، تنتظر
مَن يرى نورَ قلبها... لا بريقَ عينيها.
التعليقات