الذات مرآة لا تستعار

إن الإنسان حين يقيس ذاته بذات غيره كمن يحاول أن يرى وجهه في مرآة لا تعكس إلا صورة الآخر فهو لا يرى حقيقته بل يرى ظلًا مشوشا يُحاول أن يقنع به نفسه فإذا أحسن غيره شعر بالنقص وإذا تعثّر غيره شعر بالزهو وهنا يبدأ الانفصال عن النفس إذ لا يعود المرء يستمد قيمته من ذاته بل من الميزان الذي بيد الناس والناس لا يملكون ميزان الحق بل يملكون ميزان الظن وهذا الميزان يتقلّب كل يوم ولا يستقر وإن بنيت ذاتك على ميزان متقلب عشتَ في اضطراب دائم وشعور بالهشاشة لا ينتهي

لكل إنسان تجربته التي لا تتكرر

ما يصلح لغيرك قد لا يصلح لك وما ينفع غيرك قد لا ينفعك فلكل إنسان تركيبته الداخلية ونشأته النفسية ومسيرته الفكرية واللحظات التي مرّ بها والتي صنعت منه هذا الكائن الفريد فكيف تقارن بين نهر وجبل أو بين شجرة وريح؟ كيف تطلب من الليل أن يكون شمسًا ومن البحر أن يكون صخرًا؟ إن كل تجربة إنسانية تحمل في طيّاتها أسرارًا وظلالًا لا يُدركها غير صاحبها ولا يستطيع أحد أن يُعيد رسم خطاها مهما اقترب منها لأن السر يكمن في ما لا يُقال وفي ما لا يُعاد لذا فمحاولة التشبّه بالآخرين تشبه محاولة تذوق نكهة دون لسان

المقارنة تقتل البذرة قبل أن تُزهر

حين تُقارن نفسك بغيرك تفسد عليك طريقك لأنك تهمل ما لديك وتنشغل بما ليس لك وكأنك تمشي في طريق وتحمل خارطة طريق آخر فتحسب أن كل تأخر هو فشل وكل بطء هو عجز وكل اختلاف هو خطأ مع أن الطريق الذي تمشيه قد يكون أجمل لكنه يحتاج منك أن تنظر إلى الأمام لا إلى الجوانب وأن تسمع صوتك الداخلي لا ضجيج من سبقك لا تنظر إلى من سبقك على أنه عدو بل على أنه درس فالعبرة ليست في أن تصل بسرعة بل أن تصل وأنت تعرف من تكون وكيف وصلت

اكتشف الروعة في داخلك فهي الأهم

لا أحد يملك ما تملكه أنت من أفكار ومن مشاعر ومن طاقة خام تنتظر أن تصقل لا أحد يستطيع أن يكون أنت ولو حاول ألف مرة لأنك نسخة واحدة في هذا الكون الواسع وكل محاولة لتقليد غيرك تشبه قطع لوحة نادرة لتُلائم إطارا مألوفا الروعة فيك ليست في عدد من يحبك ولا في عدد ما تحقق بل في قدرتك على أن تحيا بأمان داخلي لا تهتز له الرياح ولا تزعزعه المقارنات وقد قيل قديمًا من عرف نفسه فقد استراح وإذا أردت أن تعرف نفسك فلا تنظر في أعين الناس بل انظر في مرآة صمتك الطويل وفكرك العميق ففي داخلك جواب لا يعرفه سواك فلا تقس ذاتك بذات غيرك ولا تضع قلبك في ميزان الغير فأنت أغنى مما تظن وأعمق مما يقال وأبهى مما يرى الناس فيك ومن عرف أنه لا يُشبه أحدا عرف الطريق إلى ذاته ومن عرف ذاته فقد عرف كيف يعيش

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أحييك عل هذه الكلمات الجميلة...

ولكن أعتقد أننا يجب أيضاً أن نستخدم المقارنات فى حياتنا ولكن بشكل يبعث فينا روح التحدى والتنافس، فالإنسان دائماً ما يبحث عن التنافس لكى ينجح فى الحياة، فأحياناً مقارنة حالنا بحال الغير يُكسبنا دافع قوى بأن نحسن من شأننا وأن نصبح أفضل.

لا يعنى هذا أبداً أن نقارن الأرزاق ببعضها فلكل واحد منا رزقه وربنا هو موزع الأرزاق وهو ينزلها كيف يشاء ومتى يشاء، ولكن ينظر الإنسان إلى قدراته وإمكانياته ويمكنه أن يقارنتها بالغير فإن استطاع أن ينميها كان خيراً وإن لم يستطع فلا يُكلف الله نفساً إلا وسعها.

لكن المشكلة أن معظم الناس لا يعرفون كيف يضبطون إيقاع المقارنة. ما يبدأ "كتحدٍّ إيجابي" غالبًا ما ينزلق دون وعي إلى جلد ذاتي مقنّع. النفس تميل للمقارنة المفرطة لا للتحدي النبيل، والمقارنة في ظاهرها تحفيز، لكنها في باطنها تخبرك أن ما لديك لا يكفي، وأن ما عند غيرك هو المعيار.

ثم لنكن صريحين: أغلب المقارنات لا تُبنى على ظروف متكافئة. نقارن أنفسنا بأشخاص بدأوا قبلنا، أو نالوا فرصًا لم تُتح لنا، أو يسلكون طرقًا لا تناسبنا أصلًا، ومع ذلك نحمّل أنفسنا المسؤولية كاملة إذا لم نصل لما وصلوا إليه. هذه المقارنات ليست دافعًا، بل وصفة مثالية للإحباط المتكرر.

ولكن هذا لا يلغي أبداً فكرة المقارنات، وهناك العديد من الأمور تكون فيها الظروف متكافئة، مثلاً فى شيء مثل كرة القدم تتسابق الفرق فى دورى محلي يكون متكافئاً فى الغالب من حيث الفرص وتدوير اللعب، وكرة القدم كلعبة تتميز بما يُعرف بالحوكمة الرشيدة وهى خاصة بالمساواة وإتاحة الفرص، لذلك مبدأ المقارنة هنا لتتنافس والندية يجب أن يكون موجود، والإدارة الناجحة لابد أن تهتم بالمقارنة حتى تلبى للفريق ما ينقصه وتنافس على اللقب.