ما الفرق بين أن نحيا وأن نعيش؟
- khouloud_benzeghba
- 2022-11-26T14:17:14+00:00
هل فكرت يوما في الفرق بين الحياة والعيش؟ ما معنى أن تكون حيا ومعنى أن تكون عائشاً؟ أن نكون أحياء؛ هل هذا يكفي أن نعيش أم أننا نحتاج لشيء ما لكي تكون كذلك؟
في كتابة السلطة السيادية والحياة العارية ينبهنا الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين إلى هذه المفارقة من جديد بعد أن خفت صيتها لوقت طويل، فبعودته إلى اللغة اليونانية القديمة يجد بأن معنى الحياة يؤخذ على لفضتين مختلفتين: zôè والتي تعني الحياة الطبيعية المجردة وbios والتي تعني نمط الحياة البشرية، فالأولى تدل على الحياة كسمة مشتركة بين جميع الكائنات الحية، والثانية تدل على نمط تفاعل بشري /بشري، لذلك نجد أن كلّ الكائنات الحيّة لها zôè، ومساحة الحياة لديها أوسع وأرحب من مدينة البشر وحضارتهم ، لكنّها لا تملكbios أي فن العيش ، وبالتالي لا تملك bios politikos؛ أي الحياة المدنية والمتحضرة.
بالعودة للفلسفات القديمة نجد أن أول من فرق بين الحياة والعيش بهذا المعنى هو أرسطو في كتاب النفس الذي ميز فيه بشكل واضح بين الحياة كملكة أو هبة وبين طريقة الحياة التي نسميها اليوم بالعيش، فيقول بأن الحياة هي صفة كلية لدى الحيوان و النبات بعامة، لكن العيش هي طريقة الحياة التي يتميز ويختص بها الإنسان عن غيره.
لكن يهمّنا أن نطرح هنا السؤالين التاليين: إذا كانت الحياة تعنى الهبة الوجود المحض الخالص بذاته من أنواع التطويرات الإنسانية، فما هو الفرق إذن بين الحياة والوجود؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى إذا كان العيش على هذه الدرجة من الخصوصية الإنسانية، هل يعتبر العيش بالفعل أشرف من الحياة؟ معنى ذلك إذا كان الإنسان يعيش في منظومته المدنية وبأسلوبه الحضاري المائز عن الحياة عند نظائره من الكائنات هل هذا يعد تفوقا بالفعل أم أنه مجرد تعقيد وتغطرس إنساني لا أكثر وأن بقية الكائنات لها أيضا أنظمتها الداخلية الخاصة التي تمكنها من عيش مدنيتها المختلفة عن البشر؟
في رأيك هل تعد هذه التفرقة بين الحياة والعيش نقطة فارقة بالفعل أم أنها مجرد ترف فكري لا يقدم ولا يؤخر؟
الوجودية عند سارتر هي الوجود لذاته, أي أن الإنسان يولد في الكون ويدرك ما حوله ثم يكون شخصيته ويتفاعل مع العالم الذي حوله ويقرر هويته وماذا يريد, فالكون يتكون من كواكب, نجوم, أشجار وإلخ.. أما الإنسان يتكون من عقل, قلب, روح وحواس, وعندما تتفاعل خصائص الإنسان مع العالم المحيط به هنا يصبح الوجود ظاهراً من منظور سارتر.
انا أتفق أن هناك فرق بين الحياة والعيش, الحياة هي الروح التي تدب في الكون سواء حركة النجوم والكواكب أو تفاعل الحيوانات مع الطبيعة, أو حتى حياة الزهور والأشجار وتفاعلتها مع ما حولها من الشمس والأمطار.
أما العيش هو تفاعل حواسنا مع العالم, وقدرتنا على الإدراك, كيف نأكل, نسير, ونسمع.
لكن هذا ليس مؤكد, فلم يستطيع أحد حتى الآن أن يثبت إجابة مؤكدة حول الوجودية.
الحياة أمر موضوعي اما العيش ف تجربة شخصية.
يمكنني القول ان هناك شخص حي ولكنه لا يعيش. لا يعيش الأمور التي هو يحبها لعدة اسباب. ربما لنقص المادة, بعد المطلوب, عوائق زمنية, فكرية حضارية ..إلخ. من. هذا المنظور يصير ان الحق هو الحق بالحياة لجميع البشر وليس الحق بالعيش. في بعض الدول وُضعت قوانين ل دعم الحياة ف أصبح مضموناً للأنسان الحقوق الرئيسية المرتبطة بالحياة ك المسكن, الطعام, الدفء, الأمان, الملابس والانترنيت كما التعليم و التطور. و لكن كل هذه الأمور متجهة صوب دعم الحياة. العيش تجربة شخصية وهي مرتبطة بما نحب, بما نمتلك شغفا له. ربما في عصرنا الحالي اصبح العيش اضيق لأن الجميع يحتاج اولا الى ان يدعم حقه في الحياة ويعمل لكي يوفر مستلزمات الحياة. ولكن هناك دائما هامش للأبداع. يمكننا القول ان العيش يمكن ان يكون في اطار قراءة كتاب, او التواصل مع الغير, او السفر. الحياة تكمن في الأمور التي نتشاركها مع بقية المخلوقات على وجه الأرض من الطعام, المسكن الأمان و التكاثر. رغم ان نقطة التكاثر اصبحت تندرج اكثر تحت نقطة العيش.
على صعيد آخر. الحياة والعيش يمكن لهما ان يتضاربا. بين ما نحب وما نحن ملتزمون بفعله. على سبيل المثال, لو كان احدنا يمتلك الشغف بالكتابة ولكنه يرى ان طريق الكتابة شائك ولن يضمن له وسائل الحياة الأساسية ف سوف يضحي بهذا الشغف لفترة لكي يسير بدرب الإلتزامات ف يدرس شيئا ليستطيع العمل وبعد ان يضمن قوت يومه يمكنه الإنصراف الى الشغف والعيش. أن تعيش الحياة هو فن وبنفس الوقت هو علم وواحد من اصعب المباحث في علم الإنسانيات. ليس من السهل التعميم لأن التجارب المعيشية تختلف بين شخص وآخر كما وانها تحتلف حسب العمر والوقت.
بالضبط يا استاذ احمد، احسنت القول، لكن ادعوك للتساؤل معي في امر اراه جد مهم هنا، ان البشر اليوم استطاعوا ان يفتحو لانفسهم امكانيات كبيرة وتوسعوا واطلعوا على عوالم غريبة ومريبة كان للانسان القديم ان يحيا ويموت ولا ينال منها قدر انملة، لكن الانسان المعاصر اليوم اصبح بمقدرورة ان يختبر الحياة التي هي غريزة كل الكائنات ثم يختبر تجربة العيش فيدخل كل احتمالات التمدن والتحضر وتجارب المعيش، وها هو اليوم يدخل في مستوى اخر وهو اختبار الللذة المطلقة، فتحوله من مجرد كائن يومي يعيش ويأثر في محيطه ومجتمعه الى كائن لذائذي مغرق في اشكال المتع الجسدية من جنس والعاب واكل... والعقلية من فنون معلوم ومعارف وآداب، هذا المستوى الذي يمكن ان نصفه بمستوى ما بعد العيش او مستوى الرفاه المطلق، الذي لا يحمد عقباه.
السؤال هو ماهو مستقبل البشر في بعد هذا المستوى؟ وهل سيقنع البشر بمجرد الحياة والعيش بعد وصولهم لهذا المستوى الباذخ من اللذات؟
الانفتاح غير المنطقي وغير المحدود للانسان الراهن على كل اشكال اللذات والمتع والرغبات، فتح باب الانفلات الأخلاقي وبالتالي الانفلات النفسي أيضا، فالاندفاع غير المحسوب نحو اكتشاف الشهواني خلص البشر من بعض الكبت النفسي نعم، هذا شيء لا يمكن نكرانه، لكن ظريبة هذا التحرر اقسى من الكبت نفسه في كثير من الأحيان، وهذه الظريبة ستكون اكثر مما يتحملها الإنسان نفسه، فلم يعد مع الاسف مشكلنا معها هو انكشاف صور غير مرضية عنا، ولا اغترابنا عن ذواتنا وذوباننا في نموذج العالم الاستهلاكي الذي ترسمه لنا القوى العظمى فحسب، بل وصل الأمر الى اغترابنا عن الحياة نفسها، وقلب كل معطياتها وفقا لرغباتنا ومساعينا الطفولية غير المسؤولة، والحقيقة ان الأمراض النفسية التي وصلنا إليها هي فقط الجزء الطافي على السطح من الجبل الجليدي، وما خفي اكبر واعظم، اليوم وصلنا الى تسجيل اعلى معدلات الامراض القلبية والشرايين التي يتوقع ان ترتفع اكثر بضعفين السنة المقبلة ، فقط لاتباعنا متعة الراحة والأكل والمشاهدة، نحن نسجل اليوم اعلى مستويات السمنة لنفس الاسباب، والامر نفسه ينطبق على ظاهرة الخرف والأمراض العقلية والسرطانية..
ناهيك عن الامراض الاجتماعية والتغولات السياسية والاقتثادية التي جعلتنا وستسجعلنا روبوتات لذية لا اكثر، ولك تكملة الحديث وتتمة النقاش استاذ أحمد.
أشكرك استاذة خلود, كما تفضلتي و قمتي بتغطية جانب رائع من جوانب التطور الاستهلاكي اللذيّ الحسي في العصر الحديث وتأثيره على الانسان المعاصر من نواح عديدة, أتفق معك تماماً وازيد جانب ربما يكون غير واضح للعيان. فهو يوجد تحت السطح واسفل القشرة.
لو ان المطلب اللذيّ "اللذة" موجودة بحق في متناول الأيدي و متحصل لكانت الحياة و الانسان كلها تنعم برغد العيش. ولكن مع الأسف هذا الإنفتاح على كل اشكال اللذات والمتع و الرغبات انفتاح معنوي "مجرد" وليس افنتاح مادي ملموس. الانسان الحالي يسعى او يعتقد ان بالإمكان الحصول على اعظم اللذات المرغوبة. و يبقى منتشي بهذه الامكانية وهذه الفكرة و الخيال و الهوى إلى ان يأتي فيه يوم ويجرب. المتع لا تنتهي وواحدة من آليات النفس وهي الملل والطمع و التعود. اي ان الانسان يشبع من امر وتصير النفس تحن الى امر آخر و من ثم آخر ومن ثم آخر وكلما اعطيناها كلما طلب اكثر و بأشكال مختلفة و طرائق عديدة. ولكن يصل الى مكان يصطدم فيه مع المباح وغير المباح. يصطدم فيه مع الامكانيات و الموارد, يصطدم فيه مع الاخلاقيات الجمعية و صوت الضمير. مع العمر, ومع القيمة الذاتية. هنا تقف كل الرغبات عند مطب هائل. لا سبيل الى العودة, ولا سبيل الى المتابعة, كلا الأمرين شاق. دائما التوازن و الاعتدال هو سيد الحياة في كل شيء. ولكنه ليس سهل وثمنه مدفوع بدراهم الحكمة النادرة. عند هذه النقطة يعيش الكثير من الناس في حالة من الموت الذي هو عدم العيش. حالة موت معلن يتنفس فيه الانسان الفراغ, حيث الروح هائمة, و الجسد مثقل بأعباء الرفض والنفور ومتشبع برغبات بركانية غير قابلة للتحقيق على المدى القصير, مع غياب الوازع و ضبابية الرؤية الدينية, يدخل في حالة من التوحش. والعنصرية.
الانفتاح غير المنطقي وغير المحدود للانسان الراهن على كل اشكال اللذات والمتع والرغبات [...] ...
هذا انفتاح مقيد وليس مطلق. أي ان البشر يعتقدون انهم قادرون على التلذذ بما لذ وطاب. ولكن فقط كفكرة او خيال او ربما رغبة دفينة. وعند الفعل يتم الاصطدام بالواقع. هناك عقبات ومنغصات وصعوبات نفسية, مادية, مجتمعية, معنوية, روحية ودينية, وحتى اخلاقية. و حينها يجد الانسان نفسه امام طريق مسدود فيعود القهقرى ولا يجد الطريق.
هذا الانفتاح المعنوي "كفكرة" غير المادي "كفعل" يخلق حالة من الانفصال عن الواقع وعدم تقبل الآخر. هناك الكثير من الأمثلة. في الحالة الأخيرة من كأس العام وحين أغلق المنتخب الألماني فمه هو كان يدافع عن "فكرة" الانفتاح المعنوي للذة و الحق بمشروعيتها للجميع. الجمهور العربي هو معارض "للفعل" وغير متقبل "للفكرة". حالة الفصل سببت نشوء فجوة كبيرة بين الطرفين استلزمت ان يتراجع احدهم وهو الفريق الألماني و يعود الى رشده بتصريح " أننا هنا لكي نلعب كره القدم وليس لكي نعطي دروس اخلاقية". هنا تبين كيف ان المنتخب الألماني الذي يمثل تيار الغرب في العالم ككل كان يدافع عن فكرة وحق التلذذ المشروع لكل الناس على كل وجه الأرض الأمر الذي انكره مجموعة اخرى من الناس ترى ان التلذذ المشروع وإن كان مطلوبا لا بد من ان تحكمه بعض الضوابط و الحدود.
في النهاية رحم الله من اشاد بقوة القناعة و الرضى والعمل بصمت مع ابتسامة تنير ذلك التعب وقلب يحمد ويسبح وعقل يفهم بدون حسد او طمع ولا غرور أو تكبر أو حقد.
وللحديث بقية..
هذا الانفتاح المعنوي "كفكرة" غير المادي "كفعل" يخلق حالة من الانفصالعن الواقع وعدم تقبل الآخر.
دعني اختلف معك هذه المرة صديقي احمد،على جمالية ما قلت، لكن المسألة معكوسة، نحن لذينا انفتاخ مادي لا معنوي، او لنقل فكري احسن، فللأسف معظم المجتمعات وحت المتطورة منها صفعت بالحداثة على غير غرة ووجدت نفسها محاصرة بالتسارع التكنولوجي والمعرفي والتقني المهول في الوقت الذي مازالت ابسط الأسئلة الأخلاقية والإنسانية لم تجد اجوبة شافية ونهائية وكلما تسارع بنا العصر اكثر زادة الهوة بين ما نملك وما نعرف حقا، هذه الهوة لم يكن لها اثرها المعرفي والفكري فقط بل كان لها اثر نفسي واخلاقي اكبر بكثير.
لاحظ معي ان تاريخ البشرية كلها هو تاريخ الاسئلة والانهمام بالانسان واخلاقياته وقيمه، فمن 300 سنة واكثر قبل الميلاد حتى القرن 19 بقي العقل البشري متأجج بالمعاني والافاق النبيلة، لكن بعد ذلك وفجأة يحذث انقلاب تام، يتم فيه السكوت الكلي عن المعنى، الى درجة ان هناك من يقول ان الفكر البشري والفلسفة انتهت مع نيتشه سنة 1900 و نيتشه نفسه يقول بأن هيجل هو هرم الفلسفة وحدها الاخير.
هذا لا يعني اننا توقفنا عن انتاج المعرفة ولكننا توقفنا عن طرح الاسئلة الصحيحة كما يقول هايدغر، لقد اصابتنا الاقنية بالعمى الكلى والبلادة.
الان حتى اغبى شخص يمكنه ان يركب افخر سيارة وينام في افخم اوتيل، لكن حتى اعظم العقول اليوم عاجزة عن طرح سؤال جوهري من السئلة التي طرحتها الفلسفات البدائية الاولى!
الان يمكن لمتطرف حقير في قومه ومصره ان يبتاع اغلى واكثر الاسلحة فتكا ويشهرها في وجه الناس، مع انه لا قد لا يكون في مقدورة قراءة جملة واحدة! وبإمكان متفاخر مغرور أن يشتري اغلى اللوحات الفنية ويضعها في قصرة وهو لا يعلم عن الالوان والخطوط والمدارس الفنية شيء!
اذن المشكلة ليست في العتاد والمادة، المسكلة في المعنى والفكر.
صديقتي, أنا أتفق معك تماماً بكل حرف وفاصلة ونقطة. هذا الإنحاط الفكري الاخلاقي موجود. وهذا واحد من الاسباب التي تجعل الانسان سجين بداخل القفص المعنوي "الفكري" للذة او التملك.
انتي قلتي ("واحد" حقير متطرف. و "شخص" غبي). ماذا عن البقية؟ انا اتكلم عن البقية الذين يحلمون او يعتقدون بقدرتهم على "ركوب افخم السيارات, و النوم في افخم الأوتيلات". لا مشكلة بالحلم, المشكلة في تبرير الحلم و وسمه على الأخرين, الدفاع المستميت عن حق اللذة للجميع. لذة "معنوية" غير متحصلة بشكل ملموس للجميع. هذه الانا المتضخمة و التي تؤمن او تعيش على فكرة الحصول على اللذة المطلقة تصطدم بالواقع. لو ان هناك شخص آخر استطاع امتلاك "اكثر الاسلحة فتكا" لكان الواقع الآن مختلف تماماً.
الفلسفة ماتت بالنهضة الصناعية. أصبحت الآلة و التطور التكنولوجي كما الأخلاقية العملية هي التي تسود. اختفت المشاعر والبحث عن المعنى والحقيقة. شخصيا قابلت اشخاص غير مهتمين البتة بالحقيقة على حساب ان تخبريهم كيف يستطيعون جني أقل من مئة دولار في الساعة الواحدة.
قلة هم من يعرفون موت "القلب" في العصر الحديث. ولكن ارى ان الطريق الآن في تغير او على وشك البدء بالتغير. كانت مرحلة صعبة و الآن يعود الانسان ليبدأ يبحث عن اجوبة لتساؤلات قديمة كانت نائمة خلال المئة عام المنصرمة.
في رأيك هل تعد هذه التفرقة بين الحياة والعيش نقطة فارقة بالفعل أم أنها مجرد ترف فكري لا يقدم ولا يؤخر؟
لا أحبّذ تناول أيٍّ من هذه التساؤلات على سبيل الطرف الفكري. لأن هذه المنطقة من التفكير والتأمّل هي التي حظي الإنسان من خلالها بالعديد من القيم التي بنى عليها حضارته. لذلك، فإن تناولنا لمثل هذه الأفكار يجب أن يتم في المسار التأمّلي الذي تناولتيه يا خلود وأحييكِ عليه، لا في السياق المتهرّب منه.
أمّا بالنسبة لرأيي، فأنا أرى أن الاختلاف هنا يتأتّى من القيمة. تمثّل الحياة القيمة، أمّا العيش فلا، ولا أعني هنا أنه لا أهمية للعيش، أو أنه أدنى من أن يكون، فالحياة لا تصلح بدون مفهوم العيش. لكنني أجد أن فكرة الحياة نفسها لا تقتصر على تقنيات العيش الملموسة، هذا هو الفارق، وإنما تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، من أفكار ومعتقدات وقيم.
أمّا بالنسبة لرأيي، فأنا أرى أن الاختلاف هنا يتأتّى من القيمة. تمثّل الحياة القيمة، أمّا العيش فلا، ولا أعني هنا أنه لا أهمية للعيش، أو أنه أدنى من أن يكون، فالحياة لا تصلح بدون مفهوم العيش. لكنني أجد أن فكرة الحياة نفسها لا تقتصر على تقنيات العيش الملموسة، هذا هو الفارق، وإنما تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، من أفكار ومعتقدات وقيم.
ربط الحياة والعيش بالقيمة هو في صميم المشكلة لذلك احييك على هذا التحليل يا علي، لكني اخشى ان تكون قد عكست الأمر، فالقيمة هنا لا ترتبط بالحياة في حد ذاتها بل بالعيش، فالعيش هي تجربة ما بعد الحياة اي ما فوق الحيوانية والبدائية البسيطة للكائن الحي المقذوف به في عالم الحياة هذا، فالعيش يعتبر قيمة مضافة للحياة التي لا يمكنها الوصول إليه لولا العيش، لان هذا الأخير هو من سيميز حياة الإنسان عن باقي الحيوات الرهطية العائمة لذى بقية الكائنات الحية، وخروج الإنسان من تصنيف الكائن الحي الى تصنيف الكائن المدني والخروج من الغابة الى المدينة ومن الكهف الى المنزل هو انتصار للقيمة الإنسانية وفكرة الصناعة والخلق والإبداع ، اي التحول الخلاق من الاستهلاك البيولوجي الى الصناعة الإنسانية، والأهم والاعظم من ذلك كله ، هو ان العيش هو حالة وجود حقيقية في الزمن، فينما تبقى الحياة هي وجود خارج الزمن - الكائنات الاخرى لا تعرف الوقت - يستطيع الكائن البشري ان يعيش اليومي، والاحساس الكامل بالوقت والزمن، الذي هو عامل اساسي في الحضارة، الا توافقني يا علي؟
في رأيك هل تعد هذه التفرقة بين الحياة والعيش نقطة فارقة بالفعل أم أنها مجرد ترف فكري لا يقدم ولا يؤخر؟
ليس كل منا متواجد في هذه الحياة ويتنفس هو في الحياة، نقول عن شخص أنه في الحياة عندما يكون وجوده قيمة فعلية، يقدم من خلال الابتكارات والمساعدات ودعم الآخرين وإعانتهم على حل مشاكلهم ويكون السند لهم، العيش هو الشخص الذي متواجد في الحياة من أجل المأكل والملبس والتفاخر على الناس بلباسه وجسمه وأكل ولا يقدم شيء في المحيط الذي يتواجد فيه بل ويكون عائق ومسبب للعديد من المشاكل مثل التلوث والعنصرية وغيرها من الأمور.
إذا كا منا فكر في المصطلحات بطريقة واعية فبكل تأكيد سيغير هذا من سلوكه، وهذا النوع من التفكير ليس ترف وإنما ضروري حتى نفرق بين النوعين ونساعد الطرف الضال بالعودة إلى الطريق الصحيح الذي خلقنا الله لأجله أي للحياة وليس للعيش.
بالعودة إلى الطريق الصحيح الذي خلقنا الله لأجله أي للحياة وليس للعيش.
تصحيحا ومتابعة لكلامك يا صديقتي مريم، الطريقة التي يفترض ان تكون صحيحة هي البحث عن العيش وليس عن الحياة بعكس ما تم تلقيننا في منظوماتنا التربوية الرثة، المطلوب هو ان نعيش ولا ان نحيا، لان الحياة موجودة فيها بالفعل ولا شيء يمكن ان ينتزعها منا الا الموت، لكن للعيش تمنعه اشياء كثيرة، جهلنا وضعفنا وانانيتنا وخوفنا... كلها اشياء تمنع عنا العيش الحقيقي، لذلك لا تقلقي على الحياة فيه موجودة دوما، واذا لم توجد فلن تقلقي عليها ايضا لانها اما ان تكون او يكون الموت ولا يمكن ان يجتمع الإثنان في وقت واحد، لكن يمكن ان نكون احياء ولا علاقة لنا بالعيش، فالمواطنة الفاسدة تمنع العيش، والتعليم السيء يمنع العيش، والأخلاق الفاسدة تضني العيش،.... العيش ان تكون إنسانا تستحق الانسانية التي تنسب لك..
هذا رأيك وأنا احترمه، لكن الحياة عندي هو الشخص الذي يضيف قيمة من خلال العقل الذي وهبه الله له وميزه عن باقي المخلوقات، وإنما العيش وطريقة العيش هو ما نحن نسير عليه اليوم، والشخص الذي كل همه الأكل والشرب والنوم فهذه الأمور فطرها الله فينا وعندما نقوم بها لا نفرق على الحيوان في شيء وبهذا نكون نعيش مثلنا مثل الحيوان أما الحياة فهي عندما نجد الرسالة التي خلقنا لأجلها ونعرف كيف نؤديها، كيف نعمل بعقلنا وتفكيرنا ونستخدمه أفضل استخدام في هذه الحالة فقط يمكننا أن نقول إننا على قيد الحياة.
الفكرة فلسفية قليلا ولا اعتقد أنها قد تكون منتشرة أو واضحة للكثير من الأشخاص ولكنه مبدأ صحيح أنا أراه بالفعل مطبق على الحياة الفعلية، مثلا الأفراد الذين يصبحون مقيدين بالتزامات الحياة والمنزل وغيرها بشكل هيستيري وهنا لا أقصد الشخص الطبيعي بل الأشخاص الذين يعملون بأكثر من دوام لتوفير نفقات المعيشة وبالكاد يملك بعض الوقت للنوم أو الحصول على راحة هذا الشخص هو أكبر مثال على العيش هو فقط يعيش يقضي يوم بآخر ينتظر متى تنتهي مسؤوليته،بانتهاء حياته، أو الشباب الصغير الذي من وجهة نظرهم هما فقدوا كل شيء ولا يوجد أمامهم سوى التخلي عن كل أحلامهم والبقاء بالفراش والمنزل دون فعل أي شيء مفيد أو جيد هؤلاء يطبقون ذات المفهموم هم يعيشون لا أكثر.
اما بالنسبة للأشخاص الأكثر مغامرة والمحبين للحياة والذين كما يقال انه يحيا بطريقة مختلفة هما أكثر الاشخاص ارتباطا بالحياة هؤلاء هم من يستغلون كل يوم لتجربة شئ جديد او على الاقل يعملون بجد للوصول لحلم معين ، الأمر يختلف من شخصية لشخصية ولكن ما اعتقد ان كل شخص يستحق أن يحيا كما يجب ولا يجب أن ندع أنفسنا داخل قوقعة سوداء تحت اسم انهكته الحياة!
الأفراد الذين يصبحون مقيدين بالتزامات الحياة والمنزل وغيرها بشكل هيستيري وهنا لا أقصد الشخص الطبيعي بل الأشخاص الذين يعملون بأكثر من دوام لتوفير نفقات المعيشة وبالكاد يملك بعض الوقت للنوم أو الحصول على راحة هذا الشخص هو أكبر مثال على العيش هو فقط يعيش يقضي يوم بآخر ينتظر متى تنتهي مسؤوليته،بانتهاء حياته، أو الشباب الصغير الذي من وجهة نظرهم هما فقدوا كل شيء ولا يوجد أمامهم سوى التخلي عن كل أحلامهم والبقاء بالفراش والمنزل دون فعل أي شيء مفيد أو جيد هؤلاء يطبقون ذات المفهموم هم يعيشون لا أكثر.
اما بالنسبة للأشخاص الأكثر مغامرة والمحبين للحياة والذين كما يقال انه يحيا بطريقة مختلفة هما أكثر الاشخاص ارتباطا بالحياة هؤلاء هم من يستغلون كل يوم لتجربة شئ جديد او على الاقل يعملون بجد للوصول لحلم معين ، الأمر يختلف من شخصية لشخصية ولكن ما اعتقد ان كل شخص يستحق أن يحيا كما يجب ولا يجب
لا يا رحمة، هذا تفسير مقلوب للمسألة، هو على عكس ما قلت تماما فالعيش هو ما تقصدينه انت بالحياة، شرارة المغامرة وروح البحث والاكتشاف التي تتحدثين عنها هي روح العيش، هي اليومي والمعيش والفعلي، اما الحياة فهي روح الوجود المزروعة في كل الكائنات الحية وتنقاسمها مع جميع الاصناف الحية، ما يجعل الانسان انسانا هو عيشه، وليس حياته التي يتقاسمها مع بقية الانواع.
أعتقد أن التفرقة بين الحياة والعيش نقطة فارقة وليست مجرد ترف فكرى ، فكما ذكرتى خلود نحن نتفق جميعا فى نقطة الحياة البشرية بطينتنا الثقيلة والتى بها كل أشكال الحياة الرئيسية من طعام وشراب وعمل وغير ذلك .
أما العيش وقد أسميه الرقي الإنساني وقد لا يناله الكثيرين فقد يكتفوا بالحياة فقط , فذلك ينال بالفكر والتعلم والثقافة .
ويضرب الله عز وجل فى آياته خير مثل لذلك بسم الله الرحمن الرحيم " أمواتُ غيرُ أحياء وما يشعُرونَ أيان يبعثون " صدق الله العظيم .
وفى هذه الآية الكريمة نموذج لفقدان العيش أو الرقى الإنسانى في حالة عدم إعمال الفكر السليم ، حيث أن المشار إليهم في هذه الآية يمتلكوا نموذج الحياة الرئيسية ولكن ليس لديهم العيش أو الرقى الإنسان ، لذلك إعتبرهم القرآن أموات بالفعل .
وأنا أويد ما ذكر فى القرآن الكريم بوجوب إقتران نموذجى الحياة والعيش أو الرقى الإنسانى داخل الفرد الواحد لكي يكون إنسانا متكاملاً .
ويضرب الله عز وجل فى آياته خير مثل لذلك بسم الله الرحمن الرحيم " أمواتُ غيرُ أحياء وما يشعُرونَ أيان يبعثون " صدق الله العظيم .
وفى هذه الآية الكريمة نموذج لفقدان العيش أو الرقى الإنسانى في حالة عدم إعمال الفكر السليم ، حيث أن المشار إليهم في هذه الآية يمتلكوا نموذج الحياة الرئيسية ولكن ليس لديهم العيش أو الرقى الإنسان ، لذلك إعتبرهم القرآن أموات بالفعل .
وأنا أويد ما ذكر فى القرآن الكريم بوجوب إقتران نموذجى الحياة والعيش أو الرقى الإنسانى داخل الفرد الواحد لكي يكون إنسانا متكاملاً .
هذا اسقاط جميل، لكن مع الاسف لا يوجد تمييز واضح في الديانات التوحيدة بين مصطلح العيش والحياة، فهما يقعان بمعن واحد وهو الحياة كملكة وهبة ربانية،فالعيش الوحيد المتاح هو الولاء لله، لكننا في التمييز الفلسفي نناقش العيش برؤية مدنية لا دينية او بيولوجية، فإذا كانت الحياة هي التواجد البيولوجي، فإن العيش هي التواجد الإنساني.
دعينى أخالفكى بقوة خلود في هذه النقطة تحديداً ، حيث أن عندي خلفية كبيرة بالقرآن الكريم والذي أوجد فارقاً كبيراً بين الحياة والعيش .
فإذا رجعنا لقوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم " وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا " صدق الله العظيم
الآية نزلت فى المشركين والذين وجدوا فى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كل صفات الحياة الرئيسية والتى توجد في أي إنسان بشرى طبيعى وطالبوا بشئ ملائكى بجانب ذلك كنوع من التعجيز طبعاً جائت الآيات من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بينات كفلق الصبح ، لكن ليس هذه النقطة موضوعنا الآن .
أعيدكى للموضوع بوضع الآية السابقة بجانب الآية التى ذكرتها فى التعليق السابق بقوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم " أمواتُ غيرُ أحياء وما يشعُرونَ أيان يبعثون " صدق الله العظيم ، والتى تمثل جانب العيش الإنسانى والإيمانى الراقى والذي يختلف عن جوانب الحياة الرئيسية .
وإذا طلبتى المزيد خلود أعطيتك ففى القرآن أكثر من موضع للتفرقة بين الحياة والعيش لإعطائنا نموذج متكامل لكى نصبح بشراً ذوى إنسانية راقية نعيش ونتعايش فى سلام وبدون خلافات .
مجتمع لمناقشة واستكشاف الأفكار الفلسفية. ناقش المفاهيم، النظريات، وأعمال الفلاسفة. شارك بأسئلتك، تحليلاتك، ونصائحك، وتواصل مع محبي الفلسفة لفهم أعمق للحياة والمعرفة.