حسنًا، لنبدأ:

يستدل أغلب من يحرمون سماع الموسيقى بالحديث المعلق في صحيح البخاري:

(باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه)

وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: حدثنا عطية بن قيس الكلابي: حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري -والله ما كذبني- سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف. ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليه بسارحة لهم. يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة، فيقولوا ارجع إلينا غداً. فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة

ومن الواضح الجلي أولًا أن البخاري وضع الحديث في باب تحريم الخمر، ولم يضعه في باب تحريم المعازف، مما يعني أنه لا يستدل به كحجة على تحريم المعازف، بل كشاهد على تحريم الخمر، أضف لذلك أن الحديث معلق من لفظه "قال هشام"، وهذه حجة مضادة لكل من يحتج بالحديث بحجة أنه ضمن صحيح البخاري، فالبخاري أشار أن الحديث معلق لكي لا يضمنه الناس ضمن بقية أحاديثه ويضعوه في نفس المرتبة، وقد اختلف العلماء في سبب خروج هذا الحديث عن شرط البخاري إلى أربعة أسباب: انقطاع سنده، أو الشك في إسم الصحابي، أو اضطراب الحديث، أو ضعف عطية بن قيس.

وانقطاع سنده امر خاطئ، لأنه فعليًا البخاري قابل هشام بن عمار في الشام، وأخذ عنه أحاديث بلفظ "حدثنا هشام"، وأما الشك في اسم الصحابي لا يمثل ضررًا لأن الصحابة كلهم على قدم مساواة، ولكنه يشير إلى ضعف أحد أعضاء السلسلة العنعنية، والأغلب يميل لكون هذا الضعف راجع لعطية بن قيس.

وعطية بن قيس هو رجل صالح من الشام، عرف عنه العدل والصلاح، ولكن لم يوجد له توثيق معتبر، فقال عنه أبو حاتم الرازي "صالح الحديث"، وصالح الحديث ليست كلمة لمدحه بل لتجريحه، حسب كلام ابنه نفسه في كتابه الجرح والتعديل:

إذا قيل للواحد إنه: ثقة أو متقن ثبت: فهو ممن يحتج بحديثه.

وإذا قيل له انه:صدوق أو محله الصدق" أو "لا بأس به": فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلةالثانية.

وإذا قيل: شيخ فهو بالمنزلة الثالثة: يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية.

وإذا قيل: صالح الحديث: فإنه يكتب حديثه للاعتبار.

وقال عنه ابن سعد "كان معروفًا وله أحاديث"، وهذا اللفظ لا يدل على شئ عن توثيقه

وقال البزار كما في "كشف الأستار" (1|106): «لا بأس به» . والبزار كابن حبان يوثق المجاهيل، كما ذكر السخاوي في "فتح المغيث". بل إن كلمة "لا بأس به" تنزله عن درجة الثقة.

وهذا ان دل فهو يدل على ضعف الحلقة التي وصل بها الحديث الينا وخصوصًا أن هناك صيغ أخرى للحديث تركز على شرب الخمر وتحريمها مثل:

حدثنا عبد لله بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن غنم أنه سمع أبا مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير.

وهو حديث صحيح يرجع لأبو مالك الأشعري مثلما يرجع الحديث الأول، رغم أن به مجهول إلا أنه يوضح صيغة أخرى للحديث تركز على الجريمة الأساسية وهي شرب الخمر، أضف لذلك أن حديث المعازف لم يحتج به مسلم في كتابه، رغم أن الحديثان لم يبلغا الشرط ولكنهما يقويان بعضهما في مواضع أتفاقهما، وهي الخمر مما يقلل من أهمية "يستحلون المعازف" ويجعلها أبعد عن الصواب أكثر فأكثر، وفي النهاية هذا ليس من الأحكام بل هو من الأخبار كما أن البعض ذهب لتفسير "يستحلون" بكثرة فعل الشئ، وهو معروف أن كثرة فعل أي شئ هو أمر خاطئ.

وننقل هنا بعضا من كلام الشيخ الجديع فقد اوفى المسألة حقها اذ يقول:

(الشريعة الاسلامية نصوصها على قسمين أساسين: أخبار وأحكام، فالأوامر والنواهي وأحكام الحلال والحرام تؤخذ من أدلةالأحكام، وأما الأخبار فهي عقائد يجب تصديقها.فأدلة الأخبار الواجب فيها التصديق، وأدلة الأحكام الواجب فيها أمتثال الأوامر وأجتناب النواهي. وبما أن هذا الحديث خبر وليس أحد أدلة الاحكام، فلا يصح أن يستدل به على التحريم، ولذلك لو سألت أحدهم ما حكم الخمر سيقول لك: حرام

فإذا طلبت منه الدليل أتى به من القرآن والسنة من غير هذا الحديث، وكذلك الزنا، وكذلك الحرير، فهذه المسائل الثلاث أدلة تحريمها معروفة معلومة من غير هذه الحديث، فهم لا يعتبرون هذا الحديث دليل التحريم لهذه الأمور وحينما لم يجدوا دليلاً لتحريم المعازف لجأوا إلى هذه الحديث وجعلوه دليلاً للتحريم.

وفي النهاية من يقول بتحريم المعازف يعترف ضمنيًا أن الدفوف من المعازف، وكان الرسول يسمعها ولا ينه عنها، في حديث المرأة التي نذرت أن تضرب الدف على رأسه وتغني، وفي حالة صحة الحديث فهناك من يقولون أن ذكر المعازف مع هذه المحرمات يحرمها، ولكن الحرير أيضًا ذكر وهو حلال للنساء، فهل هذا يعني أنه حرام؟ أم تقول أن له حالات خاصة، وحينها سنقول أنه أيضًا المعازف لها حالات خاصة، وهي حرمت في حالة استعمالها مع الخمر والحرير والحر، كما حرمت الحرير في حالة ظهورها مع الخمر والحر والمعازف، كما أن لفظة استحل لا تفيد أن الشئ حرام أصلًا، فليس معنى أنني أستحللت أكل لحم الدجاج انه كان محرمًا، فيمكنني أن أستحل الشئ وأنا أشك إذا كان حرام أم حلال فأرجح الحلال، وهذا يحدث دائمًا فدائمًا تفكر إذا ما كان هذا الذي سآكله حلال أم حرام وترجح الحلال للأسباب التي لديك كما في هذا الحديث الذي يوضح امكانية استحلال الحلال:

"ألَا هلْ عسى رجلٌ يبلغُه الحديثَ عنِّي وهوَ متكئٌ على أريكتِهِ ، فيقولُ : بيننا وبينكم كتابُ اللهِ ، فما وجدنَا فيهِ حلالًا استحللنَاهُ ، وما وجدنا فيهِ حرامًا حرمناهُ ، وإنْ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ كمَّا حرَّمَ اللهُ"

الراوي:المقدام بن معد يكرب الكندي المحدث:الألباني المصدر:صحيح الترمذي الجزء أو الصفحة:2664 حكم المحدث:صحيح

كما أن لكل ذكر من هذا أحكام مختلفة، فهناك حالات يكون فيها الحِر حلال مثل الزواج، والحرير حلال للنساء وبعض الفقهاء أباحوه للرجال، والخمر حرام قطعًا، فهذا يقوي من معنى "الاستحلال" بالمبالغة.

معظم الاقتباسات مأخوذة من هنا:

1- http://www.ibnamin.com/music.htm

2- https://eslamesla.blogspot.com.eg/2012/11/blog-post.html?view=flipcard

في النهاية، هل ترى أن الموسيقى حرام؟ وما دليلك؟ هل لديك رد على الإعتراضات بالأعلى؟