لماذا نُقارن "الفاعل" قبل أن نُقارن "الفعل"؟

Saraah

لطالما استوقفتني ظاهرة متكررة في مجتمعاتنا العربية، وهي المقارنة الدائمة بين المواطن العربي ونظيره الغربي في مجالات التطور، القراءة، والإنتاجية. لكن المؤلم في هذه المقارنة أنها غالباً ما تتحول إلى أداة للقمع والاستخفاف؛ فبمجرد أن يحاول شاب تطوير نفسه، أو تعلم مهارة جديدة، أو ممارسة هواية مختلفة، يأتيه الرد الجاهز: "هذه الأشياء للأجانب وليست لنا!".

أعتقد أن هذه العقلية هي المعضلة الأساسية التي تقف وراء تراجع التطور الثقافي والتقني لدينا. نحن نلوم الفاعل الإنسان العربي وننسى الفعل والبيئة المحيطة به.

لنأخذ شغف القراءة كمثال بسيط وملموس:

في الواقع العربي: يواجه القارئ الشغوف أسعار كتب باهظة جداً في المكتبات، قد تصل إلى مئات الدراهم أو الدولارات، مما يجعل القراءة "رفاهية مادية" لا يقدر عليها الجميع، وتؤدي تدريجياً إلى انطفاء الشغف.

في الكفة الأخرى المجتمعات الغربية: تتوفر شبكات ضخمة من المكتبات العامة المجانية التي تتيح استعارة أي كمية من الكتب بلا مقابل، مما يخلق بيئة خصبة للمطالعة المستمرة دون عوائق مالية.

هذا التباين يوضح أن الأزمة ليست في جينات أو قدرات الفرد العربي، بل في المنظومة والبيئة التي تدعمه أو تحبطه.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

يا ليت الأمر يقف عند ذلك أو عند المقارنة، بل أحيانًا يتحول لسخرية وتنمر، فمثلًا في مثالك الخاص بالقراءة، لو استطاع الفرد العربي الحصول على كتب أو رواية وبدأ يقرأ ويستغل وقت الفراغ في المواصلات، قد يتم السخرية والاستهزاء به وأنه يظن نفسه مثقفًا وهاهاها! مع أن نفس هؤلاء قد يستحسنون نفس الفعل لو فعله فرد أجنبي.

هذا يدل على تخلف الأمة و عبودية الأجانب التي تجعل الإنسان مقيدا و محصوا في مساحة ضيقة تقتصر فقط على الأكل و الشرب و العمل دون تجربة أي نشاط جديد يحفز به نفسه و يغير من روتينه .

مثير للفضول انستحق التعاطف الدائم

الغرب لم تكن لديه مكتبات عامة منذ البداية. أفراد صنعوها بأيديهم، وتبرعوا بكتبهم، وضغطوا على حكوماتهم.

لكن نحن ننتظر البيئة الجاهزة. ننتظر من يصفق لنا أولا. ننتظر الدولة أن تحل مشكلتنا.

أعرف شبابا عربا بدأوا نوادي قراءة بأموالهم الخاصة، رغم السخرية. لم ينتظروا أحدا.

لا أبرر السخرية. لكن اشكالية: متى ننهي دور الضحية و نقرر أن البيئة المعادية ليست عذرا

الغرب لم يبن مجده على أعذار، بل على تحد أولا ثم تغيير

هذه ليست بمشاكلنا وحدنا,هذه مشاكل الأمة العربية و دولها بأسرها، مثلا لنأخذ رأيك كمثال، الإنسان يكافح و يصمد و يواجه أمة بأكملها.حسنا أتفق معك،لكن لماذا لا يتلقى الدعم من طرف الدولة أو الناس،أو لماذا لا يتلقى فقط بعض التجاهل و المبالاة التي تفسح له مجالا للإبداع و العمل الشغوف.

الفرق هنا ،أن الأجانب،حتى لو لم يتلقوا دعما من طرف الدولة ،لم يتلقوا أي نقذ أو محاكمة أو يتعرضوا لأي عواقب أثناء ذلك .

فعلا نقارن دون النظر لتباين واختلاف الظروف واذكر في مقابلة تلفزيونية قديما مع احد اعمدة حزب الوفد فقال المذيع الجملة الفجة المكررة حينها ان الموظف يعمل سبع وعشرين دقيقة صافي من جملة ست ساعات في حين الياباني يرفض أخذ أجازة فنهره هذا المسئول لعدم منطقية الطرح فحاول المذيع الدفاع ولكن نهره ثانية وقال له اعط الموظف المصري نفس المرتب ووفر له نفس الظروف ثم حاسبه

نعم،و هذا لا يقتصر على العلم فقط أو الثقافة بل على معظم جوانب الحياة، فنحتقر الشخص و ننتقده دون أن نوفر له نفس البيئة و الظروف التي تساعد على التقدم و التطور.

نعم فالإنتاجية لا تتعلق بعامل واحد مثل الراتب أو عدد الإجازات، بل بمنظومة كاملة تشمل الإدارة، وتنظيم العمل، والثقافة السائدة داخل المؤسسة نفسها. بمعني فكرة وفّر نفس الراتب ثم حاسب تبدو منطقية على الورق، لكن تحسين الأداء نفسه يحتاج إلى بيئة تتطور تدريجيًا بالكامل وليس مجرد تغيير عنصر واحد.

البيئة ممكن تقيد لكن لا تحدد النتيجة لوحدها داخل نفس البيئة نجد أشخاص يختلفون في النجاح والشغف رغم تشابه ظروفهم المشكلة في كيف يستغل الإنسان ظروفه ويتعامل معها حتى أفضل البيئات لا تصنع تغيير من غير دافع داخلي لدي الشخص صحيح ارتفاع أسعار الكتب يضعف الإقبال على القراءة لكن نجد أشخاص يقرؤون ويبحثون عن بدائل أخرى غير المكتبات الكتب الرقمية مثلًا أو الكتب المستعملة أو تبادل الكتب

نعم،أنا متفقة معك، لكن نحن في هذه الحالة نتحدث عن وجود هذا الشغف و هذا الدافع الذي يموت بسبب الظروف ،ليست أنها غير ملائمة أو مساعدة و حيادية فقط، بل ظروف تقلل من شخص و تحطم أماله حتى في أبسط المواضيع ،و في هذه الحالة الحفاظ على الشغف و تطويره يصبح أمرا في غاية الصعوبة أمام أمة بأكملها تنتقد في أفعالك.