لماذا نكون أخلاقيين بسهولة عندما نحكم على غيرنا؟

في مقال قرأته عرض كاتب قصة إستفتاء في سويسرا - لو خانتني الذاكرة فهي دولة أخري - ليدل على أن البشر قد يتخذون قرارات ضد مصلحتهم بدوافع أخلاقية وأن المصلحة لا تحركهم وحدها .

الإستفتاء كان بخصوص التخلص من النفايات النووية .

الخيار الأول: إرسالها لإحدى الدول الفقيرة بمقابل مادي بالطبع ولكن مع مخاطر أن تلك الدولة حتي لو مساحتها واسعه وفيها صحاري ولكن بما إنها دولة متخلفة سيكون الضرر أكبر بسبب الإهمال الوارد الحدوث .

الخيار الثاني: تخصيص منطقة معينة ودفنها فيها مع العلم أن أصحاب العقارات والسكان في المناطق القريبة ستتضرر .

الإستفتاء أتي في صالح الخيار الثاني وهو ما أعتبره الكاتب دليل على أخلاقية البشر.

ولكن ما فكرت فيه أنه يفكر بطريقة غير صارمة منطقيا ويخدع نفسه، فالاستفتاء شمل الدولة كلها فهل لو اقتصر الإستفتاء على سكان المنطقة المتضررة كانت ستكون نفس النتيجة ؟

أنا لا أعارض فكرته بشكل مطلق أو أقول أن دوافع الإنسان هي المصلحة فقط .

ولكن وجدت نفسي أفكر لماذا يحب الناس خداع أنفسهم للحصول على نتائج تعجبهم بدلا من البحث عن حلول حقيقة ولماذا من السهل جدا أن نتخذ قرارات عظيمة وأخلاقية عندما لا تمسنا.

حتى في أزمة الإيجار القديم في مصر أراهن أن أغلب من يتعاطفون مع حق الملاك ما كانوا ليكون لهم نفس الراي - وهذا يختلف عن ترك الشقة لأنه يتعلق بالظروف - لو أنهم من المستأجرين .

وبالمثل من يتعاطف مع المستأجرين بإسم الإنسانية لو أنه يملك سيارة أو شقه إضافية ما كان ليتبرع بها لأسرة مشردة ولكنه يتبرع بشقق الآخرين بمنتهي السهولة .

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

طبعا من السهل أن نكون اخلاقيين عندما نحكم على غيرنا. فحين ننظر للأمور من الخارج دون أن نكون طرف في المعادلة من السهل أن نحكم بعدل وأخلاقية ولا نكون منحازين لأن الأمر لا يخصنا، وهذا دليل على اننا جميعا نعرف الصواب والخطأ، لكن المشكلة تحصل عندما نكون متضررين من أحد الخيارين وبالتالي نقف في صف الخيار الذي فيه المصلحة بغض النظر على اخلاقيته

من السهل أحيانًا الحكم على الآخرين من الخارج، لأننا لسنا طرفًا في الموقف لكن حتى المحايد قد يرى الأمور بمنظور محدود أو متحيز نتيجة خبراته السابقة أو قناعاته الشخصية، فلا يكون الحكم موضوعيًا بالكامل.

وعندما نصبح طرفًا متأثرًا، ليس كل انحيازنا لمصلحتنا دليلًا على ضعف أخلاقي، فقد يكون مجرد تقدير واقعي للتبعات والمخاطر. والمشكلة غالبًا لا تكمن في معرفة الصواب والخطأ، بل في تعقيد الظروف النفسية والاجتماعية التي تجعل اتخاذ القرار الأخلاقي أصعب من مجرد فهمه نظريًا.

هذا احيانا ولكن احيانا يصل الامر للمزايدة الاخلاقية و والجهاد الكلامي .

أن نشاهد ونحكم من الخارج غير أن نكون في الداخل بقلب الأزمة، فمن الخارج يكون من السهل أن نحكم ونتحدث ونعظ، لكن أن نكون بقلب الأزمة ويمسنا الضرر ويؤثر علينا وعلى من نحب فقد لا نكون بمثل التسامح، أو قد لا يكون لدينا الصبر ولا القدرة على التفكير بحكمة وقتها، فكل ما يشغلنا هو كيف نخرج مما نحن فيه.

وبالتأكيد رد فعل البشر يختلف فيما بينهم، فمنهم من سيضحي وهو بقلب الأزمة، ومنهم من سيفعل أي شيء للخلاص.

لقد خضت نقاشًا مع أصدقائي من قبل شبيهًا بهذه الفكرة، وكان استنتاج الجميع أن أغلب الناس إن كانوا في موقف يضعهم في ضرر ويضع آخرين لا يعرفونهم في ضرر وعليهم الاختيار، فبالتأكيد لن يختاروا نجاة الآخرين على حساب أنفسهم. فالغريزة الأقوى التي تحرك الإنسان هي غريزة البقاء، لذلك نرى الكثير من الأشخاص يختلف موقفهم الأخلاقي ورأيهم حين يتضمن الموقف ضررًا لهم.

ربما يمكنني تفهم الاختيار نفسه ولكن لا استطيع تفهم كيف يخدع الانسان نفسه بحجج وهمية

يميل الإنسان إلى خداع نفسه ليس لأنه لا يرى الحقيقة، بل لأنه يحتاج نفسيًا لحماية صورته عن ذاته. فالعقل يفضّل تبنّي مواقف “أخلاقية” عندما لا يدفع ثمنها، ويخلق تبريرات مريحة لتجنب التناقض الداخلي بين ما يعلنه وما قد يفعله لو كان هو المتضرر. هذا الخداع الذاتي يعمل كآلية دفاع تمنح الشخص شعورًا بالاتساق والراحة، حتى لو كانت حججه غير منطقية. لذلك نجد كثيرين يتخذون قرارات عظيمة نظريًا، لكنهم يغيّرون مواقفهم تمامًا عندما يصبح الثمن شخصيًا.

حجج وهمية مثل ماذا؟

لكن لا يمكننا التعميم، فهناك من قد يختار الآخر ويؤثره على نفسه ومصلحته، وأعتقد ذلك يكون على حسب الاقتناع بقضية الطرف الآخر والتعاطف معه، أو ربما كراهية تجاه النفس، أو رؤية أننا لا نستحق في حين أن الآخر يستحق أكثر.

تحليلك يلمس نقطة إنسانية معقّدة: أغلب الناس يتخذون مواقف “أخلاقية” فقط عندما لا يدفعون هم ثمنها. ما يبدو تضحية نبيلة على الورق يتحول إلى قرار مختلف تمامًا عندما يصبح الشخص هو المتضرر المباشر. لذلك تبدو بعض الاستفتاءات أو المواقف العامة وكأنها أخلاقية، لكنها في الحقيقة تعكس راحة اتخاذ قرار لا يمسّ صاحبه. الإنسان بطبيعته يميل لتبرير اختياراته ليبدو متسقًا مع صورته عن نفسه، حتى لو كان القرار غير منطقي أو غير عادل. ولهذا نرى ازدواجية في قضايا مثل الإيجار القديم أو توزيع الأعباء: الجميع كريم بأملاك الآخرين، لكنه شديد التمسك بما يخصه. الحقيقة أن الأخلاق الحقيقية تُختبر فقط عندما يكون الثمن شخصيًا، لا عندما يكون نظريًا.

الإنسان يفصل بين المبدأ والتكلفة.

عندما نحكم على غيرنا، نرى المبدأ فقط: العدل، الرحمة، الحق.

لكن عندما يتعلق الأمر بنا، تظهر التكلفة: خسارة مال، راحة، أمان.

لذلك يسهل أن نكون أخلاقيين عندما لا ندفع الثمن.

الأخلاق التي لا تختبر بتكلفة شخصية قد لا تعكس الحقيقة كاملة.

ولكم عندما نحكم علي غيرنا تكون هناك احيانا مزايدة واستعلاء اخلاقي والرغبة في الشعور بالرضا عن الذات بدون تكلفة ، فاين المبدأ في هذا .

الفكرة هي أننا نحب الحكم على المبدأ عندما نراه فكرة مجردة، بدون أن نضعه موضع تطبيق فى حياتنا الشخصية.

الكثيرون يحبون التظاهر بالأخلاق على الآخرين لأن المبدأ بعيد عنهم، أما حين يلامس حياتهم مباشرة، تختفي المزايدة ويظهر الواقع الحقيقي للأخلاق.