مرحبًا يا أصدقاء!
"يترك المرء جزءًا منه ثمن كل تجربة، لذا يحنّ حين ينظر إلى صور الطفولة؛ حين كان كاملًا."
كثيرٌ منّا يمضي رحلة عمره في هذه الحياة وهو يبحث عن نفسه، يجِدها في مكان ما أحيانًا ثم يفقدها من جديد، أو يتوهّم في بعض الأحيان إيجادها، وفي أحيانٍ أخرى يمضي العمر كله في رحلة بحث عنه، عن تعريف له، عمّا ينتمي إليه ويشبه مكنوناته. وهذه الرحلة تصعب مع تقدم الأزمان أكثر مما كانت عليه، حتى يُضحي كل يومٍ إضافي في هذه الحياة فرصة لتفاقم حفرة الضياع بداخله، تتسع المتاهة أكثر، ويصعب التنقيب عن أسرار النفس.
ربما قد أفسّر ذلك أحيانًا، بتأثير تضاعف المسؤوليات التي تسحبك من نفسك، وتملأ أوقاتك بالكثير من الأمور -عِداك-، وهنا، عندما تمنحك الحياة فرصة لإلقاء نظرة عليك، تشعر أنك لا تعرفك.. "من أنا؟ ومن أكون؟"
وفي بضع لحظات تراودك الذكرى عن نفسك، فتلقيك إلى نسخة قديمة منك، يافعة أكثر، حيوية أكثر، وذات معالم واضحة لا تشبه نسختك الحالية الباهتة، فيتملكك حنين لتلك النسخة، وتتساءل هل ما زلت أنت تلك النسخة -على الأغلب لم تزَل-، أو هل بإمكانك استرجاع شيء من بريقها؟ ولكن... لماذا تلك النسخة القديمة أو الطفولية تحديدًا هي من تساورك رغبة استردادها من جديد؟ هل فعلًا لأنك كنت شخصًا كاملاً لم يتساقط بعضك خلال الطريق؟
أم لأنك كنت على حقيقتك الكاملة حينها، قبل أن يجبرك المحيط على تزييفها؟ أم فقط لأن الحياة حينها كانت أخفّ أحمالًا ليس إلّا؟
ولكننا في عمرٍ يصعّب علينا طرح هذه الأسئلة ناهيك عن البحث عن أجوبتها، فإلى أين ستصل رحلة البحث المتقطعة هذه في النهاية؟ وهل توجد حقيقة واحدة للإنسان يجدها في نهاية الطريق، أم كل العبور كان الإجابة على سؤاله؟
أعلم.. أربكتكم بالأسئلة، فهذا النوع من النصوص أتركها في مدونتي لتدغدغ وجدان قارئها ويمضي، ولكنني ارتأيت أن أتركها هذه المرة في ساحة النقاش، لعلّنا نتوقف لحظة ونفكر معًا.. لعلّ أحدكم وصل إلى إجابته فيخبرنا عن الطريق والوصول.
وفي رحلة الإنسان قال عصام العطار -وهو ما سأختم به هذه المساهمة-:
وَمَا الحَيَاةُ سِوَى حُلْمٍ أَلَمَّ بِنَا
قَدْ مَرَّ كَالْحُلْمِ سَاعَاتِي وَأَيَّامِي
هَلْ عِشْتُ حَقّاً؟ يَكَادُ الشَّكُّ يَغْلِبُنِي
أَمْ كَانَ مَا عِشْتُهُ أَضْغَاثَ أَحْلَامِ