11

ليس كل اختلاط مشكلة… لكن أين ذهبت آداب الجلوس؟

لا أكتب هذا المقال دعوةً إلى الفصل التام بين الرجال والنساء في أماكن العمل، ولا دفاعًا عن مجتمع منغلق يضع الحواجز بين الناس. فنحن نعيش في واقعٍ مختلف، حيث يجتمع الرجال والنساء في المؤسسات التعليمية والمستشفيات والشركات وغيرها، وهذا أمر بات طبيعيًا في كثير من المجتمعات.

لكن ما يلفت انتباهي أحيانًا ليس الاختلاط بحد ذاته، بل طبيعته وحدوده.

فكم من مرةٍ دخلت إلى مؤسسة تعليمية أو مرفقٍ عام، فسمعت قهقهاتٍ عالية ومزاحًا مبالغًا فيه بين المعلمين والمعلمات، أو بين الممرضين والممرضات، وكأن المكان جلسة أصدقاء لا بيئة عمل يفترض أن يسودها قدر من الوقار والاحترام.

المشكلة هنا ليست في وجود الرجال والنساء في المكان نفسه، بل في غياب آداب الجلوس وحدود التعامل.

فالاختلاط الذي تفرضه الوظيفة قد يكون طبيعيًا وضروريًا، لكن تحويله إلى مساحة مزاحٍ مفرط وأحاديث جانبية طويلة قد يخلق أجواء لا تليق بطبيعة العمل ولا بهيبته، وربما يفتح بابًا لما لا يرغب به أحد.

في مجتمعاتنا، نشأنا على فكرة أن بعض الضوابط الاجتماعية لم توضع لأن الناس سيئون بطبيعتهم، بل لأن الإنسان قد يضعف أحيانًا، ولأن الوقاية دائمًا أسهل من معالجة النتائج.

لهذا لم تكن فكرة تقليل الاختلاط غير الضروري، أو تنظيمه ضمن حدود واضحة، دعوةً للانغلاق بقدر ما كانت محاولة للحفاظ على الاحترام المتبادل بين الجميع.

ليس مطلوبًا أن يتحول مكان العمل إلى مساحة صمتٍ وجمود، لكن في المقابل ليس من اللائق أن يصبح أشبه بجلسة سمر.

بين التشدد الكامل والانفتاح غير المنضبط توجد منطقة وسطى اسمها اللياقة المهنية:

حديث محترم، مزاح خفيف إن وجد، حدود واضحة في التعامل، ووعي بأن المكان أولًا وأخيرًا هو مكان عمل.

ربما لا ينتبه كثيرون لهذه التفاصيل، لكن من عاش طويلًا في المؤسسات يلاحظ أن الأجواء المنضبطة لا تقتل الودّ، بل تحفظه.

ويبقى السؤال:

هل ترون أن بيئات العمل اليوم ما زالت تحافظ على آداب التعامل بين الجنسين، أم أن الحدود بدأت تذوب شيئًا فشيئًا؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

كل شخص له حدوده الخاصة للإختلاط و عليه أن يحتفظ بها لنفسه أو يطبقها علي أولاده .أما كمجتمع فلا يفصل بيننا سوى القانون . إذا كان مكان العمل تسمح قوانينه بالقهقهة و المزاح- وهذا أمر يقرره مدير المكان وحده - فلا يجب على أحد التعليق على الأمر .

أتفق معك، ثم إن كان تفاعل أكبر بين الموظفين هذا يعزز الإنسجام بشكل أكبر في العمل ويكسر من رتابته بل ويجعله مكان محبب لنا وليس مكاناً يعبر عن الضغط والتوتر، قد يكون هذا التفاعل الغير محدود في النهاية مفيداً للعمل من وجهة نظري

لا يوجد مكان يسمح أو يمنع أخي منير، تلك القهقهة والمساح تضع ضمن مساحة الحرية الشخصية والاختيارات والحدود الشخصية التي يقررها كل شخص على نفسه، أنا في مكان عمل حكومي، هناك رجال زملائي يمرون على الزميلات ويضحكون ويمرحون ويعاملونهم كأنهم أصدقاء مقربين، وعلى الناحية الاخرى هناك زميلات يتجاوبن مع المزاج، وبعضهن قد رسمن حدود من اليوم الأول ولا يقترب منهن أحد من الرجال ..

إنه سلوك شخصي مجرد لا تحكمه القوانين أخي منير

صراحة هذا يختلف من شخص لآخر، فهناك من يكسر تلك الحدود بغرض أنه لا يريد أن يُقال عنه أنه متشدد، وحتى يكون الشخص المحبوب، وأنا أرى هذا النوع من الناس كأراجوز آسفة على التعبير، ولكني أراه كذلك فعلاً، يحاول فقط أن يجمع الناس حوله سواء نساء ورجال الكل ويضحكهم ويتقرب ويتودد منهم جميعاً، ناهيك عن من يستخدم يده في الهزار، فأنا أفضل بيئات العمل المتوازنة، الكل يعرف حدوده ومقامه، إذا كان لابد من الاختلاط يكون بحدود وضمن الأدب لا بالتعدي ولا التقرب المبالغ فيه.

تحية طيبة للكاتب الأستاذ أيمن على هذا الطرح الرصين الذي يلامس واقعاً يحتاج إلى وقفة تأمل. إن ما نشهده اليوم في بعض بيئات العمل ليس "مرونة" أو "انفتاحاً"، بل هو تآكل في الهيبة وذوبان لبوصلة الاتزان السلوكي. إن "آداب الجلوس" التي يفتقدها الكاتب هي صمام أمان يرتكز على دعامتين لا ينفصلان: الشرع والواقع العملي.

أولاً: المنظور الشرعي (أدب الاستعفاف وسد الذرائع) :

الشريعة الإسلامية لم تأمر بجمودٍ يعطل المصالح، بل أمرت بـ "القول المعروف"، وهو الحديث الذي يقتضيه السياق المهني دون خضوع أو تميع. إن كسر الكلفة بالضحك الصاخب والمزاح المفرط يخالف مبدأ "سد الذرائع"؛ فالإسلام يحمي قلب الإنسان وخصوصيته قبل سلوكه. وضع هذه الحدود ليس تشكيكاً في النوايا، بل هو احترام للفطرة البشرية التي تضعف أمام "كلفة المساس" التي تُميت الإحساس بالحياء والخصوصية.

ثانياً: القاعدة الذهبية (حصر الحديث في إطار العمل) :

إن النقطة المفصلية التي يجب ألا تغيب عن الأذهان هي أن الحديث بين الجنسين يجب أن يظل حبيساً لإطار المهنة فقط. الخروج إلى "الأحاديث الجانبية"، والقصص الشخصية، وتفاصيل الحياة اليومية، هو المزلق الذي تبدأ منه كافة المشكلات.

  • شرعاً: الأحاديث الجانبية تكسر حاجز الوقار وتولد "استئناساً نفسياً" قد يتطور لميل غير منضبط.
  • مهنياً: وقت العمل أمانة، وصرفه في "الدردشة" هو هدر للإنتاجية. الرسمية في التعامل هي الدرع الذي يحمي كرامة الموظف ويجعل الاحترام مبنياً على الإنجاز لا على "خفة الظل".

ثالثاً: المنظور الإداري (الإنتاجية وهيبة المكان) :

في علم الإدارة، تُبنى البيئات الناجحة على "المسافة الاحترافية" (Professional Distance). ذوبان الحدود يؤدي بالضرورة إلى تشتيت التركيز، وضعف الانضباط؛ إذ يصعب توجيه نقد مهني لشخص "سقطت الكلفة" معه في مزاح مفرط، ناهيك عن توليد الحساسيات والقيل والقال.

إننا بحاجة لترسيخ مفهوم "الاختلاط المنضبط"؛ وهو الذي تفرضه الحاجة، ويحرسه "أدب الإسلام"، ويؤطره "وقار المهنة". الاحترام المتبادل لا يحتاج لقهقهات عالية ليثبت وجوده، بل يكفيه طيب التعامل، وعفة اللسان، ووضوح الحدود. وكما قيل: "من كثر ضحكه قلت هيبته".
ayaavo أضف ردا

أنا أختنق من بيئات العمل مثل تلك ولا أحب التواجد فيها، لأنني ببساطة لا أركز لو كان الأمر مبالغ فيه وهو شيء أصلا مشتت، لكن لا أقول ألا نمزح بحدود ولكن يجب مراعاة من حولنا فهناك أشخاص يحبون الهدوء، أخر مرة كنت أعمل في شركة كان مكتبي في غرفة حرفيًا لا يعملون دون كلام ومزاح، بعدها نقلت إلى غرفة أكثر هدوء

ارى ان الحدود اخذة في الذوبان وان من يلتزم بحدود التعامل يطلق عليه لقب معقد ومنعزل , رغم ان العلاقات المفتوحة غالبا نهايتها مشاكل كبيرة ولكن يفضل الناس الانسياق وراء التعامل بغير حدود ولا ان يقال عنهم معقدين

أرى أن كل جهة ومؤسسة عليها وضع قواعد مهنية واخلاقية ومن يخالفها يكون له عقوبة معينه هذا ببساطة افضل الحلول من وجهة نظرى .