ولربّ كلمةٍ تجمع أوطانًا، ولربّ كلمةٍ تهدم أقوامًا.

كلمة واحدة قد تكون وطنًا آمنًا لشخص، وقد تكون خرابًا في صدر آخر يخطر في بالي سؤال دائمًا: لماذا تخرج من أفواهنا كلمات تجرّ أحزان الآخرين؟ وبما أنّ الكلمة الطيبة تخرج كما تخرج الكلمة السيئة، وكما نقول بالعامية: (الكلمة الشينة طالعة، والكلمة الزينة طالعة) فلماذا نختار أحيانًا ما يؤذي؟ في البداية ظننت أنّ الأمر بسيط، وأنّ الجواب واحد: أنّ ما يخرج من فم الإنسان هو نقصٌ كامل في نفسه لكن مع التفكير أكثر، أدركت أنّ الصورة أوسع من ذلك ليس كل من قال كلمة جارحة إنسانًا سيئًا وأحيانًا لا تكون الكلمة المؤذية نابعة من شر بل من وجعٍ داخلي، أو جهلٍ بالأثر، أو وعيٍ غير مكتمل فالإنسان قد يتكلم وهو لا يدرك أن كلماته ثقيلة على غيره وقد يظنها عابرة، بينما هي عند الآخر جرحٌ عميق.هنا يتضح أنّ المشكلة ليست دائمًا في الكلمة نفسها، بل في وعي قائلها في قدرته على الإحساس بالآخر، وفي فهمه أن الكلمات لا تُقال ثم تمضي، بل تُقال وتبقى، وتسكن الذاكرة، وقد تغيّر نظرة الإنسان لنفسه أو للحياة.فما يخرج من أفواهنا لا يعكس أخلاقنا فقط، بل يعكس مستوى وعينا، ومدى انتباهنا لأثرنا في قلوب الآخرين وفي النهاية، ليس كمال الإنسان في أن لا يخطئ بالكلام، بل في أن يدرك أثر كلمته، وأن يختار، ما استطاع.