الدب الرمادي
داخل أحد المصانع ، الجدران شاهده عن كل من يعمل بجهده الخاص ومن يعمل بلسانه. ساعات العمل تدور لكن بلا قياس واضح للتعب الذي لا يُسجّل في كشوف الرواتب.
بطل قصتنا اليوم ليس جمادا ولا حيوانا بل هو إنسان بلحم ودم إنه مشرف القسم، عرف هذا المشرف بأمانته. لا يجمِّل القول ولا يُؤجل الفعل لا يكاد يُهمل سطرًا في تقاريره، ما سر هذا المشرف. للوهلة الأولى يبدو قاسيا لكنه فقط... شخص واضح. عندما تتغيب عن العمل تكتب غائبا فلا نعلم إن كنت حيا أو ميتا. وإن أخذت أجرة على عمل لم تكن حاضرا فيه هل يعد هذا حلال أو حرام إضافة إلى التعاون على المنكر بالتست. وإذا تعمدت الإهمال وجب تصحيح الخطأ، والعدل بين العمال واجب بدون تحيز حتى من ناحية تقدير الجهد أو التهاون.
وكعادة المصانع فإنها لا تخلوا من زحام الماكينات وضجيج الحديد، وقوع الخطء وارد جدا. عطل في لوحة التحكّم كاد أن يتسبب في حادث. لكن تدخل أحد العمال القدامى ، لإنقاذ الموقف. وأنقذه بطريقته، سلك معدني وحركة مرتجلة.
في سياسة المؤسسة يعتبر هذا تصرّفا غير مصرح به ويمكن قراءة ذالك على منشور في مدخل المصنع يحتوي على صورة دب قطبي ناصع البياض تحته لوائح العمل وأسفلها دب أسود بجانبه عبارة واضحة أبلغ عن أي خلل. بالرغم من أن الواقع قال أن هذا التصرف أنقذ أرواحًا. لكن وضعية مثل هذه وبوجود الشهود حتى محاولة التغاضي عنها لن تمر مرور الكرام، يعلم أغلبنا الدافع للقيام بذلك، والسياية واضحة الإبلاغ فورًا، ليقوم المعني بالتدخل المناسب.
جلس سمير في مكتبه. أمامه ورقة. فيها سطران فقط: اسم العامل، نوع المخالفة، توقيعه كمشرف.
الورقة تُرفع للإدارة. والإدارة لا تعيد النظر. إجراء إداري، بارد، يشبه فنجان قهوة نُسي في الممر. لكن خلف السطرين، يقف رجل، له ثلاثون سنة خدمة. قارب على التقاعد. رجل علّمه وعلم امثاله كيف يربطون البرغي الأول، وكيف يفرقون بين أنواع الزيوت . رجل لم يأخذ يومًا إجازة دون سبب. رجل تعب فقط.
إنه في حيرة من أمره. أحد الزملاء أرسل له تذكيرا عبر الإيمايل بالواقعة. بقيت كواليس الحادث منحصرة في الشهود فقط. لم يصل الخبر بعد إلى المدير الذي عرف بصرامته. البقية ينتظرون منه موقفًا… وأي موقف، حتى يُصنّف في قائمتهم بعبارة معنا أو ضدنا.
أمسك سمير بالقلم. ووقّع. ووضع الورقة داخل ظرف. بعدها خرج من المكتب دون أن يغلق الباب خلفه. لم يتكلم مع أحد. أو يخبر العامل المعني بقراره. لم ينظر في عيون أحد. لكن كل من رآه، عرف أن القرار قد اتُخذ.
إنتهى.
التعليقات