نبتعد لنحمي قلوبنا فهل هذا ذنب؟!

نبتعد… لا لأننا نكره، بل لأننا نريد أن نحفظ ما تبقّى فينا من نقاء.

ليس كل ابتعاد خيانة، ولا كل انسحاب غدر.

أحيانًا يكون الابتعاد مثل رحيل الغيم ليصفو الجو، أو مثل انسحاب البحر ليترك للرمل فرصة أن يتنفس.

نبتعد لأن قلوبنا أنهكتها الضوضاء، فنلجأ إلى العزلة كما يلجأ الطائر إلى عشه بعد رحلة طويلة.

ونبتعد أحيانًا لأننا أكثرنا الحضور حتى بهتَ بريقنا، كما يبهت العطر حين يُسكب بإفراط.

قد يغلق الإنسان قلبه ويسكت مشاعره لا لأنه قاسٍ، بل لأنه تعب من أن يكون الوحيد الذي يشعر، والوحيد الذي يفهم،والوحيد الذي يقدم يعطي ولم يقابل بمثل ما أعطى فيقرر أن يبتعد… ثم يُقال عنه قاسٍ مغرور؟!

الابتعاد ليس دائمًا خذلانًا، بل قد يكون أشبه بـ التقاط الأنفاس بعد طول اختناق، أو عودة هادئة إلى الذات بعد أن أرهقها الاستنزاف في عيون الآخرين.

نبتعد لأننا نريد أن نحفظ ما تبقّى من صفائنا، ولأننا ندرك أن الإفراط في الوجود يُفقد معناه، وأن العزلة في لحظات كثيرة أكثر صدقًا من كل الضجيج.

لكن… لماذا يُساء فهمنا دائمًا؟

لماذا حين نحاول حماية قلوبنا من انكسار جديد، يُقال إننا متكبرون؟

ولماذا تُترجم عزة النفس إلى غرور، والكبرياء إلى تعالٍ، بينما هي في جوهرها درعٌ أخير نُحاول أن نصون به ما تبقّى منّا؟

برأيكم، لماذا ندان حين نختار أن نحمي أنفسنا؟!

ولماذا لا يفهمون أن الابتعاد أحيانًا نجاة للبعض وليس تكبراً كما يظنون؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

بعض العلاقات فاسدة بطبعها في رأيي، فهي مليئة بسوء التفاهم والظنون، لذلك يكون البقاء فيها كمن يضع النار إلى جانب البنزين، والرحيل عنها يكون لمصلحة الجميع، لكن وبسبب طبيعة العلاقة فحتى الابتعاد يُساء فهمه، لكن أساءة فهم الابتعاد أفضل في كل الأحوال من البقاء في علاقة سامة، يمكن أن نعتبرها ضريبة السلام النفسي.

كلامك صحيح، فالعلاقات السامة فعلًا تستنزفنا والبُعد عنها خلاص. لكن ما قصدته في نصي مختلف قليلًا؛ أحيانًا يكون الابتعاد ليس لأن العلاقة مؤذية بحد ذاتها، بل لأن القلب مكسور من تجربة سابقة، فيخشى أن يعيش الخذلان مرة أخرى، فيختار الصمت والابتعاد، ثم يُساء فهمه ويُقال عنه متكبر، بينما هو فقط يحاول أن يحمي نفسه.

أعتقد أن بعد التجربة الأولى يحصل الإنسان على نوع من المناعة النفسية، فتكون مشاعره أقل اعتماداً على الغير، كما لو حدث أي خذلان يتأقلم الإنسان بسرعة ويمضي في حياته بسبب خبرته السابقة.

شخصيا أعتقد أنه من لم يتقبل أنني احتاج في بعض الفترات في حياتي أن انعزل أو أبتعد عن الجميع كوسيلة لتخفيف الضغوط الاجتماعية أو للحصول على لحظات من السلام النفسي فأنا لست مضطرا أن أشرح له أسبابي، لدي أصدقاء قد أختفي عنهم لأشهر لكن بمجرد أن أظهر لا يعاتبوني، لأنهم يعرفون أنني أحتاج للعزلة بين الحين والآخر ويقدرون الأمر، أما من لا يقدر الأمر فلا أدين له بأي اعتذار

أتفق معك تمامًا، الصديق الحقيقي هو الذي يتفهم حاجتنا للعزلة ولا يُثقلنا باللوم.لكن ماذا لوكان الابتعاد ليس مجرد رغبة في العزلة المؤقتة، بل ابتعاد نابع من قلب مكسور يخشى أن يُخذل مرة أخرى. وهنا يُساء فهم الموقف ويُظن أنه غرور، بينما هو في الحقيقة وسيلة حماية للنفس.

Rond
  • حذف بواسطة المستخدم
kjhj أضف ردا

كلماتك تقطر مشاعر وعامةً ليس علينا أن نبرر حينما نعتزل أن نقول لماذا نعتزل. من يسئ الفهم فله ذلك ومن يحسن بنا الظن فلك ذلك أيضًا وكل بئر بما فيه ينضح. وأتفق معككل الإتفاق في قولك:

ونبتعد أحيانًا لأننا أكثرنا الحضور حتى بهتَ بريقنا، كما يبهت العطر حين يُسكب بإفراط.

فلا يصح أن نُنيل غيرنا منا أكثر مما ينبغي؛ فالحضور الزائد عن الحد قد يُساء فهمه ومن يُسئ التقدير والفهم حولنا كثيرون. وهذا المعنى التقطه أبو التمام وقال فيه:

وطول مُقام المرء في الحي مُخلقٌ ........... لديباجتيه فاغترب تتجدد

فإني رأيت الشمس زيدت محبة ............. إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

شكرًا لك على كلماتك الراقية واقتباسك البديع من أبي تمام، فقد أضفتَ للنص رونقًا خاصًا. وأوافقك تمامًا أن الحضور إذا زاد بهت بريقه، وأن الغياب يعيد للنفس صفاءها، كما تعود الشمس أبهى بعد غيابها خلف الغيم.

ليس كل ابتعاد جفاء أحيانًا هو صرخة بحثًا عن سلامها الداخلي ليس في الابتعاد خيانة بل هو إدراك أن الحب المفرط يفقد معناه وأن التوازن أصدق من البقاء في دوامة الاستنزاف بل هو آخر محاولة لحماية قلبٍ هشّ من انكسار جديد.

أمتن لكِ على كلماتك البليغة🌸 التي التقطت جوهر المعنى وزادت عليه جمالًا، فحقًا ليس كل ابتعاد جفاء، بل هو أحيانًا صرخة روح تبحث عن سلامها الأخير، وحماية لقلب هشّ يخشى الانكسار.

العفو 🌺

كلام جميل وفي غاية الروعة

كلمات بريقها ذهبياً، تلمع كأنها قطعة الماس، تتسائل عن الناس! لكن لا جواب.

هذا حق الإنسان، ولكن الإنسان على الإنسان يطغى، يغتر، يتعالى،نبل أخلاقك انك اخترت طريق لا أذية فيه، ولا مضره، يؤاذونك وانت بينهم، فإذا اخترت سلامتهم وسلامتك لحقتك اذيتهم، وقد عانى من هذه الصفات جل الأنبياء، والمصلحين.

سلمت أناملك، عش نبيلا كريما، وليجزيك الله خير الجزاء.

جزاك الله خيرًا على تعليقك العميق صدقت، فما أعظم أن يحفظ الإنسان قلبه دون أن يؤذي غيره، وقدوتنا في ذلك الأنبياء والمصلحون. شكرًا لكلماتك الصادقة