الإدارة بالحديد

demane

مشبك الورق والدبّاسة، 

لم يكن هناك سلام على مكتب المدير. الوثائق تتراكم، المهام تتناسخ، و الأدوات بدأت تشكّ: هل حقًا هناك عقل يدير… أم مجرد يد تضغط وتشبك وتُوقّع دون تفكير؟

في منتصف المكتب، جلس مشبك الورق في زاوية مظلّلة، منحنٍ بعض الشيء لكنه ما زال مرنًا. يراقب الدبّاسة بتأفف، وهي تضرب الورق بقسوة، تخرقه لتثبته… ثم تتنفس بفخر. الدبّاسة، حديدية المظهر، قوية القبضة، تحب أن تُشعر من حولها بأنها العمود الفقري للنظام: "لا وثيقة تمرّ دون خَتمي." تقولها وهي تُطلِق صوتها المعدني الحاد، وكأنها ختمُ سلطة.

أما المشبك، فكان يرى نفسه راقيًا. ينحني، يتلاءم، يجمع الأوراق بلا عنف… وحين تنتهي الحاجة، يُفتح بسهولة. لكن لا أحد يعترف له بالفضل، وكأنه مجرد خيار بديل "عندما لا تتوفر دبّاسة".

ذات مرة، جاءت ورقة رسمية عاجلة. الموظف المرتبك لم يجد الدبّاسة، فاستخدم المشبك مؤقتًا. رفع المشبك رأسه بفخر، ظنّ أن اللحظة جاءت أخيرًا. لكن سرعان ما عادت الدبّاسة في يد الموظف، ومزّقت عمله كله لتُعيد تثبيته "بشكل رسمي".

تنهّد المشبك، وغمغم في نفسه: "هل القوة دائمًا ما تكسب؟ حتى لو كانت مؤذية؟" الدبّاسة سمعت، فردّت دون أن تلتفت: "إنهم لا يريدون ترتيبًا... بل يريدون السيطرة. وأنا… أُجيد الطعن والسيطرة."

في زاوية بعيدة، وقفت ورقة مشبكة يمزّقها الزمن… لم تعد تحتاج إلى أحد، لا دبّاسة ولا مشبك، فقط كانت تهمس لنفسها: "أحيانًا… كل أدوات التنظيم تُخفي فوضى لا يُراد لها أن تظهر."

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

دباسة الورقة ذكرتني بالأشخاص العسكريين الصارميين ذو الرتب العالية 😅

نعم الدباسة نحتاجها عندما نريد أن نجمع أوراق بشكل دائم، لكن ذلك لا يقلل من أهمية مشبك الورق الذي يُستخدم ليس فقط بشكل مؤقت ولكن أحيانًا بشكل دائم للحفاظ على الأوراق والوثائق الغالية التي نريد جمعها لكن لا نريد إتلافها بثقوب الدباسة.

فالشدة نحتاجها في بعض المواقف، لكن اللين لا يمكن الاستغناء عنه.

للحفاظ على الأوراق والوثائق الغالية التي نريد جمعها لكن لا نريد إتلافها بثقوب الدباسة.

نقطة الخلاف الحقيقية ليست بين الدباسة والمشبك بل بين من يقيم أهمية الأوراق؛ كنت أعمل في شركة كان صاحبها يُقدر العمال أكثر من الموظفين لأن نظريته أن هذا العامل لو غاب يمكن أن تتوقف دورة الإنتاج داخل المصنع لكن الموظف يمكن أن يحمل أحد آخر مكانه. لما باع هذا الرجل حصته في الشركة تدهور الحال لأن الموجودين ليس عندهم هذه النظرية ويرون أن العمال مرميين على الرصيف على حد قولهم.

عندما تتغير الإدارة تتغير السياسة، خصوصا عند تهميش اليد العاملة وكونها الحلقة الأضعف فأي احساس بالتهديد قد يخلق نوعا من عدم الثقة خصوصا إذا كانت المعلومة تنتقل بصفة هرمية فقط أين يمكن إيقافها في أي مرحلة ما دون وجود آلية لتجاوز السلم الوظيف في حالة عدم معالجة الطلب. أين يصبح الموظف يقوم بأقل المطلوب دون مبادرة.

صحيح تمامًاسهام سليم ، تشبيهك في محلّه جدًا! فكما لا تُبنى الجيوش بالصرامة وحدها، لا تستقيم الإدارة دون توازن بين الحزم والمرونة.

المشبك قد لا يترك أثرًا واضحًا، لكنه يحفظ دون أن يضر… وهذا ما نفتقده أحيانًا في قرارات القوة.

جميل جدا التصوير والطابع الرمزي لحكايتك، خطر في بالي عدة خواطر يعني مثلاً نحن نقول في العامية المصرية "اتدبسنا" كدليل على اضطرارنا للقيام بعمل مجبورين عليه!

الدباسة كائن قاسي، دائما تترك الندبات على سطح الورق كدليل على أنها مرت عليه!

المشبك المسكين مثل الكثيرين منا طاقة معطلة ومكبوتة وفي انتظار أن يتم استعماله، وفي هذا الانتظار قد يقضي عمره بأكمله!

جاء في بالي تكملة للقصة"المشبك الحزين ظل لوضعه سنين حتى تغير الموظف، وجاء موظف جديد كان يشعر بالملل من وظيفته فأخذ يشكل المشابك ويحولها لأشكال ثم أخذها المنزل ليحولها مع بضع القطرات السحرية من السائل اللاصق، وبضع القطرات من الألوان تحولت المشابك إلى قطع فنية، إلى قلوب صنع بها القلادة لطفلته التي ارتدت القلادة وكانت سعيدة للغاية بها"

تعليقك يا سلوى أجمل من أن يُرد عليه بجملة واحدة!

"اتدبسنا" لفتة جميلة ، في غالب الأحيان ندبس في أمور نحن في غنى عنها.

إن التكملة التي أضفتِها… هي لمسة إنسانية ساحرة، وكأنها تقول إن القيمة لا تُقاس بالمهام الموكلة لنا فقط، بل قد تكون من عين أرتنا ما يمكن أن نكونه. ربما كل مشبك ينتظر لحظة فنية كي يبرز إبداعه.