من أين جاءت الانفجارات؟ سؤال بريء كخبزةٍ مفقودة.
وماذا أكلتُ البارحة؟ سؤال أكثر فخامة من طاولة مفاوضات السلام.
***
البارحة... لا أتذكر.
هل أكلتُ شيئًا؟ لا أعلم.
هل أكلتُ قذيفة؟ محتمل.
أو ربما التهمني القصف في منتصف الجوع، فابتلعني الجدار مع عشاء لم يأتِ.
_____________________
في الحرب، لا تسأل عن الطعام...
فالشهية تهاجر مع أول صاروخ، والبطون لا تصدر صوتها من الجوع، بل لأن الانفجارات تسبقها دائمًا بخطوة.
_____________________
أتابع الأخبار، أسمع المذيع يتحدث عن "ضربة دقيقة" و"هدف مشروع"...
ثم ينتقل إلى تقرير عن وصفة "بيتزا بالدجاج المشوي" وسط صورٍ مقطّعة – لحم بشري هذه المرة، لا دجاج.
أضحك. أو على الأقل هذا ما ظنه أحدهم حين سقطت دمعة ساخنة في فمي.
طعمتها كانت أشبه بالملح المدخَّن...
نكهة جديدة، ابتكرها الجندي الذي يقصفنا وهو يلوك شطيرته في استراحة "العمليات".
يقولون: يعاني من "اضطراب ما بعد الصدمة".
أنا أعاني من صدمة ما قبل الوجبة.
_____________________
أتعرف من هذا الجندي؟
هو ذاتُه الذي كان في طفولته يشاهد أفلام الأكشن ويقلد أصوات الانفجارات.
الفرق الوحيد اليوم؟ أنه هو الصوت.
يصنعه بأصابعه، يضغط الزر، يضحك أصدقاؤه في جهاز اللاسلكي.
نكتة الحرب:
"أطلقنا قذيفة على بيت فيه خمسة أطفال... طلعت النتيجة أربعة، الخامس شكله كان صايم".
_____________________
أما نحن، في الطرف الآخر، فكل ما نعرفه عن "التوازن العسكري" أننا نحاول توازن طبق من العدس على حافة الركام.
وكلما شعرنا بالضعف، سألنا أنفسنا السؤال الكبير:
من أين جاءت الانفجارات؟
هل هي من السماء؟
من الأرض؟
من تقرير إخباري حُرّر بعناية ليجعل من دمائنا لونًا خلفيًّا لمقاطع "الحدث العاجل"؟
_____________________
تقول أمي: "لا تفكر كثيرًا، كلْ أي شيء."
لكن ماذا آكل يا أمي؟
هل ألتهم عنوانًا صحفيًّا؟
أم ألوك تغريدة تقول إن الحرب "خيار استراتيجي لتحقيق الاستقرار"؟
ربما أتناول صورة طفل مغطى بالغبار، تشاركتها الصفحات مع فلتر أبيض وأسود وهاشتاغ #صلاة_من_أجلهم.
_____________________
في الحرب، لا أحد يسأل الجائع عما أكل.
لأن السؤال الأهم دائمًا هو:
هل ما زلت حيًّا كي تُسأل؟
_____________________
أما الإعلام، فقد أكل كل شيء: الحقيقة، العدالة، الضحية، وحتى الجاني...
وغسل فمه بصورة الأقمار الاصطناعية.
_____________________
وأنا؟
أنا ما زلت هنا، بين قصفٍ وقصف، أبحث عن لقمة أو عن إجابة:
من أين جاءت الانفجارات؟
وماذا أكلت البارحة؟