جلسَ عامرُ فوق عتبةِ المنزلِ القديم، يحدّق في صندوقٍ خشبيٍّ صغير عثر عليه بين أكوام الغبار في علية بيت جدّه الراحل. كان الصندوق مطليًّا بلون بني داكن، تتناثر فوقه بقع من الزمن، ومُقفلًا بمشبكٍ صدئ كاد ينهار بين أصابعه المرتجفة. فتحه بحذر، لتتطاير منه رائحة الورق العتيق والماضي البعيد.
كانت داخله رسائل صفراء، حوافها مهترئة كأنها نجت بصعوبة من حريق قديم، وكل واحدة منها مختومة بالشمع الأحمر، تحمل توقيعًا باسمٍ واحد: ليلى
لم يكن في عائلته من تُدعى ليلى، ولم يسمع بهذا الاسم يومًا بين حكايات الأجداد. قلب الرسالة الأولى، وبدأ يقرأ:
"إلى حبيبي الذي غاب ولم يعد، إلى الذي وعدني بسماء لا تنطفئ نجومها، وأهداني قلبًا لم أعرف أين ضاع..."
كانت الكلمات تنبض بشيء غامض، مزيج من الحزن والانتظار، وكأنها كتبت ولم تصل أبدًا إلى من كُتبت له. تابع قراءة الرسائل واحدة تلو الأخرى، لتكشف له عن قصة حبٍّ مخنوقةٍ بين سطور الماضي، عن شوقٍ امتد لسنوات ولم يجد سبيلًا للتحقق.
في آخر رسالة، كُتبت عبارة أخيرة بخطٍّ مختلف، أقرب إلى الهذيان:
"انتظرتك حتى صارت الشمس شاهدة على خوفي، والقمر يسمع شكواي، والريح تحمل آهاتي... لكنك لم تأتِ."
أسند عامر ظهره إلى الجدار البارد، وهو يتساءل: من كانت ليلى؟ ولماذا لم تصل رسائلها أبدًا؟ أم أنها وصلت متأخرةً، كما كل شيء في هذه الحياة؟
وأنت هل لديك رسائل بالية مجهولة؟
التعليقات
عندما كنت صغيرة كنت أكتب الرسائل ولكن لنفسي. أتذكر أنني أخذت الفكرة من عمل شاهدته ولكن لا أتذكره على الإطلاق، ولكن أحببت فكرة أن أكتب لنفسي لكي أقرأ هذه الرسائل عندما أكبر وأنظر لما كنت أريده وأتوقعه وما وصلت له الآن. بالطبع تغيرت كل أحلامي وتبدلت مرات عديدة ولكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير وكان هو هدفي الأول والأخير دائما هو أن أكون سعيدة في كل شيء أفعله ولا أجبر نفسي على تحمل ما هو عكس ذلك.
ذكرني ذلك بفيلم "البوسطجي" المأخوذ عن عن رواية يحيى حقي. وإلى جانب كونها وسيلة لنقل المشاعر والأخبار، تعتبر الرسائل وسيلة مهمة لتأريخ أحداث فترة ما، والتي لم نكن لنعرفها لولاها..
صراحة لم أكتب الكثير من الرسائل، لكني كنت أستمتع فعلا بقراءة الرسائل القديمة بصندوق العائلة، ورغم عدم إحتواءها على قصص مثيرة كالتي ذكرتيها سلمى، إلا أنني كنت أتحمس عند قراءتها!
لم أكن أكتب رسائل مجهولة لكن أتذكر بأنه في طفولتي، كنت اتبادل أنا والأصدقاء بعض الرسائل التي تعبر عن الاشتياق والمحبة لهن، فضلصا عن كتابة بعض التدوينات التي كنت احتفظ بها، ولكن بين ليلة وضحاها ذهب المنزل،وذهب كل ما كان به.
بعيدًا عن الرسائل المجهولة، يعجبني فن الرسائل، وكل كتاب يتضمن رسائل للطرف الآخر، يستحضرني هنا رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة في كتاب الشعلة الزرقاء، اعتقد بأننا نفتقد حاليًا مثل هذا الفن الخالد في قلوبنا.