خائن الوطن.. لا أرض تأويه ولا سماء تحميه، كالذي يسرق من بيت أبيه ليطعم اللصوص، يفرح بلحظةِ غنيمةٍ زائفة، ثم يدرك متأخرًا أنه قد هدم سقفه بيديه. فلا أبوه يسامحه، ولا اللص الذي باعه نفسه يكافئه، بل يتركه وحيدًا، تائهًا في صحراء الخيانة، بلا ظلٍ يستظل به، ولا أرضٍ تأويه.
خائن الوطن غريبٌ أينما حلّ، منبوذٌ بين قومه، ومرفوضٌ بين من باعهم روحه. يظن أنه قد نال مجدًا زائفًا، لكنه لا يدرك أن الخيانة لا تصنع مجدًا، بل تترك ندبةً في جبين صاحبها، لا تمحوها الأيام، ولا تغسلها الدموع. يهرب بعيدًا، يطرق الأبواب، يستجدي القبول، لكنّ الغدر لا يعرف وفاءً، ومن باع وطنه مرةً، لا يؤتمن على أرضٍ أخرى.
يا من ظننت أن الأعداء سيفتحون لك ذراعهم، ألم تقرأ في صفحات التاريخ كيف لفظوا من سبقوك؟ ألم ترَ كيف تساقط الخائنون كأوراق الخريف، تدوسهم الأقدام فلا يأسف عليهم أحد؟ الوطن ليس مجرد أرضٍ تُباع وتشترى، بل هو نبضٌ في عروقك، واسمٌ يسبق اسمك، وشرفٌ لا تعوّضه كنوز الأرض.
يومًا ما، حين تجلس وحيدًا على ركام ما كنت تظنه نصرًا، ستتمنى لو عاد بك الزمن لتعيد الاختيار. لكن لا رجوع بعد الطعنة، ولا غفران بعد الخيانة. فكما لا يعود الماء إلى النهر بعد أن يُدنس، لا يعود الخائن ابنًا لوطنٍ خانه. يظل مُعلقًا بين أرضٍ لفظته، وأخرى لم تحتضنه.. بلا وطن، بلا انتماء، بلا وجهٍ يُذكر.