الحياةُ فأسٌ عاقّ، عاد ليبتر يدَ الحداد

Jawad12

كلما دندنت أوتارُ الخيانة لحنًا، عادت لتتشكلَ قصصُ المآسي في أذهان كل مستطرب؛ من أوصافهم تظنّهم غرباء عن السياق، ويأتي المايسترو ليسرد أوصافًا أخرى، لكنهم لا يدرون أنهم جميعًا يتقاسمون الصدمة ذاتها.

أليس الفأس أدرى أن أمه شجرة؟ ألم يسمع السكينُ معاناةَ أبيه الحدادِ مع الحَجَرة؟ أهو أعمى؟ أم أعماه السواد؟

ونحن في شرفة عقل أحد الحاضرين، حيث الكلّ يبحث، لم يُبالِ أحدٌ برثاء ذاك الكمّ من الصور،

إلا صورة بدَت من الوَهنة الأولى… بيضاء، كغيرها من الصور الباهتة،

لا أدري ما الشيء الذي ميّزها عن أخواتها،

أم أن قاموس خيباتي صار عاجزًا عن ترجمة معالمها.

وهنا… الكلّ رافعٌ رأسه،

قلمُ المايسترو هو أيضًا لم يرفع نظره عنها،

في لوحةٍ تعبيرية، كتمثال حريةٍ وسط العبيد،

تعلو الصورة، لا بوضوحها، بل بغموضٍ يستفزّ الذاكرة،

كأنها رسالة قديمة خرجت من رُكام الحنين،

لا توقيع فيها… لا تاريخ… لكن الجميع أقسم أنه رآها من قبل.

هنا، لم يعد العقل شرفة،

صار ساحة عرضٍ لحقيقةٍ تحرج المنطق،

المايسترو توقّف عن العزف، لا لأنه انتهى،

بل لأن الصورة بدأت تعزف من تلقاء نفسها...

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

قطعة أدبية بليغة أخي العزيز تصف سخرية القدر، حيث يمكن للفأس أن يقطع الشجرة رغم أن مقبضه مأخوذ أصلاً من شجرة، ويمكن لنصل الفأس أن يجرح يد الحداد رغم أنه هو الذي حدده ليصبح قاطعاُ هكذا، وهذا في رأيي معناه أنه من أفعالنا قد ينتج ما يضرنا.

لكنك لم توضح من هو المايسترو؟

أخي العزيز،

في هذا المشهد الرمزي الذي تتقاطع فيه الصور والمشاعر كأنها نوتات في سيمفونية من الخيبة، لا يأتي "المايسترو" ليكون شخصًا من بين الحضور، بل هو كيان أعمق وأشمل…

إنه الوعي، لا بوصفه إدراكًا لحظيًّا فحسب، بل بوصفه ذلك الإدراك المتراكم الذي يحمله الزمن فينا. المايسترو هو الوعي الزماني، ذاك الذي ينظّم إيقاع التجربة، ويراقب بعين باردة كل تلك الانفعالات التي تنبع منّا، ثم تعود فتبتلعنا.

لكن المفارقة أن هذا الوعي نفسه يحمل شهادةً مغلوطة عن تجاربنا، كأن أثر الخيبة أعمق من أن يُدرك أو يُحتوى، حتى من قبل شاهدها الأول

في الحقيقة فهمت بداية النص وأعجبني للغاية خاصةً الجزء الخاص بأن الفأس أصله أو أمه شجرة، لكن الجزء الأخير لم أفهمه، هل يمكنك توضيحه من فضلك؟

فما أو من المقصود بالمايسترو؟ وما المقصود من أن الصورة بدأت تعزف من تلقاء نفسها؟!

شكرًا على اهتمامك بالمقطع. سأحاول توضيح المبتغى من المشهد الثاني، الذي يُعدّ تتمّة للصورة الأولى التي حاولت رسمها في البداية.

أحدهم دندن لحنًا حزينًا، فبدأت الخيبات التي مرّ بها الحاضرون تتشكّل أمامهم، رغم اختلاف قصصهم، غير أن أثر الخيبة وحّدهم.

ثم في المشهد الثاني، ومن داخل عقل أحد الحاضرين، يبدو الأمر وكأنه معرضٌ لصورٍ تعبّر عن الآلام التي عاشها. كل صورة تحنّ إلى أنيسٍ يسمع حكاياتها، لكن لا أحد من الحاضرين يهتم... سوى بصورةٍ بيضاء تختلف في لونها عن باقي الصور التي يشوبها السواد.

في تلك الصورة البيضاء، كان كلّ شخص يرسم المنظر الجميل أو اللحظة النقية التي عاشها، رغم أن اللوحة في الأصل فارغة.

حتى المايسترو، الذي يُنظّم تلك السيمفونية – والمقصود به هنا هو "الوعي الزماني" الشاهد على كل شيء – أصبح هو الآخر منغمسًا في تلك اللوحة، كما لو أنه يبحث فيها عن مخرج.

ثم توقّف اللحن، وأصبحت اللوحة هي من تُسيّر الحفل، في إشارة إلى أن الجميع يبحث عن النجاة، حتى وإن كانت على حساب الوهم

رائع!

أحسنت الكتابة والتعبير.

صراحة شعرت وأنا أقرأ بأنني أمام مشهد سينمائي أكثر منه نصًا مكتوبًا الكلمات تشدك بسلاسة لكن في الوقت نفسه تغلفك بغموض يشبه تمامًا الصور التي تحدثت عنها كأن كل خيبة نمر بها تترك أثرًا غامضًا لا يُنسى حتى لو تلاشت التفاصيل تبقى المشاعر الخام معلقة في الذاكرة أعتقد أننا جميعًا نمتلك تلك الصورة التي تعزف من تلقاء نفسها لحظة ما دون سابق إنذار ربما مشهد ربما كلمة ربما موقف يعيد فتح أبواب أعتقدنا أننا أغلقناها النص عميق فعلًا ويوقظ فكرة أن الألم أحيانًا لا يحتاج لشرح لأنه ببساطة يُرى ويُحس حتى لو لم يُفهم

أشكرك على تحليلك المنطقي. ما يجذبني في الحقيقة إلى الكتابة غير المباشرة هو أنها تُظهر رؤى متعددة، وتُقدّم ترجمة فريدة للمعاني، مما يُضفي جمالية خاصة على لغتنا الأم. فعلاً، المشهد – رغم أنه من وحي الخيال – لا يبتعد كثيرًا عن الواقع المعاش؛ فكلٌّ منا يُخفي معرضًا للصور، وعند العودة إليه، دائمًا ما تَلفت انتباهك صورة واحدة، ترى فيها بصيصًا من الضوء بين كومة من الظلام الحِسّي.