في أعماقي فر عٌ متأصلة من جذورٍ نائية عتماء، هو الطفل ذاته من جديد، هناك، يبحث عن هروبٍ في الصجيج، مرتاع، مغترب، أينما ضرب قدميه استنشق من الخطرِ ريحه، ربما كان سيطمح إلى أن يحظى بالقبول رغم اقترافه جرم الاختلاف وحب الاختلاء بالذات، ولكن وتيرة الأذى والاستمتاع بممارسته جعله يطمح إلى إنجازٍ أعظم، أن يتركوه وشأنه، مطلب مكلف لنفوسٍ مقفرة، يكبدها متعة لا تعوض.
أفتخر بمروري بأطنانٍ من الخذي دون اللجوء إلى موادٍ مخدرة، وأني عبرت واعيًا لكل شيء، مستشعرًا كل شيء، وبطبيعة الحال، لا شيء أفتقده في ذلك الماضي، حتى إيجابياته، فهي كقطعة حلوى معبأة بالسموم، ومن الحكمة التخلص من مثل هذه الحلوى.
كل مرة شعرت أني قادر على الإيذاء، وجدته سببًا كافيًا للتراجع، لا أجد صعوبة في حبس غضبي، خاصةً أمام الضعفاء، فإيذاء الضعيف مسألة يلزمها وفرة في الدناءة والجهل، وهي أمور ورثها الإنسان بنصيبٍ مدهش، لا أعلم ما إذا كان هذا جزء من مخططات الاصطفاء الطبيعي، ولم يرثها الإنسان طواعيةً، إذًا: ليس هو المتهم الأول فيها.
أمضي في كثيرٍ من الوقت إلى التجهم، وقد لاعبتني حبي الأول عاطفيًا، ودعتني - بدناءة - إلى مبارزة، فتخشبت آنئذ، وانقلبت حادًا غليظًا، أمارس الصمت العقابي دون أن أعرف أن له ذلك المسمى وقتها، أمورٌ لا تدعو إلى الفخر، وإنما إلى تثير الاشمئزاز، فقد كنت أطوق إلى الحب لا إلى الانتقام، كنت أحتاج إلى مكافأة على مروري سالمًا - على الأقل بالحد الأدنى - ولكن بعكس المرآة، فقد قدمت هي أيضًا من مأساة أخرى، ولكنها لم تمر سالمة، فهي تنتقم من كل رجل يأتيها بشعورٍ بض، وتفوت على نفسها أي فرصة للحب.
في نهاية المطاف، أشعر أني ثري ومتين، مررت من بين فيالق من الأحياء الأموات، وطالني منهم من العض والبصق والسلب، ثم عبرت إلى الجهة الأخرى، إنسان لم أزل، قادر على المنح، لم أتحول إلى أحدهم، ولم أنتهي عندهم، لا زلت أعتقد أني أستحق الحب، وتذوق ملذاته، طواقًا إليه، رغم الخدوش الرابضة بأعماقي، والشظايا الكامنة النشطة، فقد عبرت سالمًا.