ما هو المعنى؟

في مطارحة شبيهة بكلاسيكية "الماهية والوجود"، يجادل صديقي (المادي) بأن ما يسمى بالمعنى ليس سوى شيء خلقه عقلنا، وأن الوجود الآلي لا يعترف بتلك المعاني.

ولكوني أربط بين الاتجاهات المختلفة لتكوين صورةٍ كلية، فإني أضع المادية والوجودية في قالبٍ واحد لإنتاج تلك الصورة، غير أن قصور العقل البشري يترك أمامي فسحة مجهولة، تلك التي تجعلني أشعر بالصوفية وعشق الوجود برضات شعورية غير قابلة للتفسير، شبيهة بتلك التي تحدث في الموسيقى.

ومع ذلك، فإني أيضًا أحتاج إلى معاني بوسعي التعبير عنها شفهيًا، كالوئام والمتعة والدفء، لكني فقدت الكثير من هذه المعاني بعد أن انبهرت ببواطن الأمور ورغبت في الظفر بالجوهر على حساب المشاعر الإنسانية اليومية التي لا تمثل إلا قشورًا، غافلًا عن أني أحتاج حقًا إلى هذه القشور، مما جعلني الآن أعاود البحث عنها، أو استخدام بعض المعطيات لخلقها

وإذًا

هل وُجدت المعاني ثم العقول القادرة على فهمها؟

أم وُجدت العقول بالقدرة على خلق معنى من لا شيء؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

المعنى ليس شيئًا خارجيًا موجودًا بحد ذاته، بل يكون منتجًا للعقل البشري. إذ يقوم العقل بخلق المعنى والغرض وفقًا لتفسيراته وتجاربه الفردية. ولذلك نجد كل منا له معنى واستنتاج قد يختلف عن الآخر من وراء ظاهرة أو تفسير معين وكل شخص يكون المعنى الذي استنتجه متأثرا بعلمه وتجاربه ومدى اطلاعه.

سواء وجد المعنى اولا او اننا اوجدناه فمازلنا نجهل الحقيقة الكاملة الكامنة في وجود هذا المعنى وعلينا طرح المزيد من التسائل العقلي والحسي للوصول الى المزيد من المعرفة فربما نصل الى هذه الحقيقة الكاملة يوما ما.

هل ستفهم ما تعنيه الاشياء بدون استخدام العقل؟ بالتأكيد لا، فالعقل هو من يخلق المعني، وفهم المعنى يعني أننا سنتمكن من التنبؤ بما يحدث مستقبلًا وبالتالي نقرر ما هي الخطوات الضرورية التي نود فعلها. فالمعنى هو شكل من أشكال المعرفة، وهو تأويل بحد ذاته.

أنت تفصل هنا كما أشار الأصدقاء بين شيئين لا يمكننا أبدًا الفصل بينهما. وبالتالي لا يسعنا على الإطلاق أن نوافق على مثل هذه الأفكار التي تخرج بالأسئلة من حيّز البحث عن الإجابة إلى حيّز الجدل. هذا السؤال، والإجابة عليه أيضًا إن وجدت، لن تذهب بنا بعيدًا عمَّ يحيّرنا. الفلسفة الناجحة تقوم على الوصول إلى الأسئلة المناسبة، لا الإجابات المناسبة كما هو شائع.

شكرًا على مشاركتك من جديد أخي علي

وجدت في وجهة نظرك أنها ربما عملية بعض الشيء، بمعنى أننا نسأل الأسئلة التي نحن قادرين بالفعل على الإجابة عنها، مما يخلق فلسفة ناجحة تقود إلى الأمام، وهنا لزم علي أن أسأل:

هل يمكن للباحث عن الجوهر تطبيق وجهة نظرك كممارسة يتسم بها الشغوفين باكتشاف الطبيعة والحياة؟ أم أنهم بالأحرى في حاجة إلى طرح أسئلة هم لا يعرفون إجاباتها، ثم محاولة البحث عن إجابتها؟

والسؤال الثاني هو:

هل تنطبق وجهة نظرك على من ارتطموا بأسئلة لاحت لهم بغتةً فأثارت فيهم الفضول وحب الاستكشاف؟

خاصةً وأن المفكرين والعلماء مُصممين لتلك المهام، أي أنهم لا يستطيعون التملص من سؤال لا يعرفون إجابته، فهل تعتقد أن فلسفة البحث عن سؤال مناسب عوضًا عن أسئلتهم الملحة تشفع لهم أمام فضولهم وتعطشهم للاكتشاف؟

أفهم من كلامك أنك تشعر بتضارب بين ميلك للغوص في أعماق المعاني الكبرى وبين حاجتك للمشاعر الإنسانية البسيطة في حياتك اليومية. وهذا تضارب طبيعي بين النزوعين العقلي والوجداني في الإنسان.

فيما يتعلق بالسؤال عن المعاني والعقل، أرى أن كلاهما متلازمان. فمن جهة، هناك معانٍ أساسية مغروسة في الواقع ومستقلة عن عقولنا، مثل معاني الخير والشر والجمال. لكن من جهة أخرى، فإن عقولنا هي التي تطوّر هذه المعاني وتولّد منها معانٍ جديدة وترابط بينها، كما أنها تخلق رموزًا وأدوات للتعبير عن هذه المعاني مثل اللغات.

فالعقل البشري ليس "خاليًا" تمامًا عند ولادته، بل هناك بعض الميل لديه لفهم بعض المعاني الأساسية. إلا أن هذا الميل الفطري يحتاج إلى العقل ليتطوّر ويتفاعل مع الواقع. فالعقل والمعنى ينموان معًا في عملية تفاعل مستمرة. لا يمكن اختزال أحدهما في الآخر.

تحياتي لك وعلي هذا الحوار

لقد بحثت حتى وجدت " القشور " قد انهارت , ولكن عندما تجد معنى اعمق ستجد شعور اعمق وافضل من " القشور " .